لمحة عن حركة تحقيق التراث العلمي في الأحساء
يُعد تراث الأحساء العلمي واحدًا من أعرق المدخرات العلمية المحلية، الذي تشكّل عبر سنوات طويلة من التأليف والنسخ والتدوين.
ولا يقتصر تراث الأحساء على الجانب المادي من الآثار والمواقع التاريخية والنقوش والكتابات الحجرية والعملات القديمة، بل يشمل منظومة متكاملة أوسع ترتبط بالعادات المتوارثة والتقاليد والفنون والحرف والتراث الثقافي والفكري من تراث علمي وديني وأدبي، مما يجعل دراسته تتطلب الجمع بين البحث التراثي والتحقيق العلمي.
فقد كُتب تراث الأحساء العلمي قديمًا في مدارس وعلى أيدي علماء لهم مشارب فكرية متعددة، ومن أبرز العلماء الذين لهم تراث علمي واسع في القرون الماضية الشيخ ابن أبي جمهور الأحسائي، فقد ترك تراثًا ضخمًا أصبح مادة للتحقيق في العصر الحديث، وخلف الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي مئات الرسائل والمؤلفات التي أصبحت من أهم مشاريع التحقيق الأحسائي لاحقًا، كذلك خلف الشيخ موسى بن عبدالله بوخمسين مؤلفات ومخطوطات علمية، حُقق بعض منها من أسرة آل أبي خمسين.
ثم انتقل هذا التراث إلى مرحلة جديدة من البحث والتحقيق بجهود وعمل مؤسسي تارة، وأخرى بجهد أسري، وتارة فردي، ليكون جسرًا من العلاقة الوثيقة، ومن خلاله يمكن قراءة تطور العلاقة بين «البحث والتحقيق» في التراث الأحسائي بوصفه رحلة انتقال من توثيق النص وحفظه إلى تقويمه وبنائه.
ولم يكن التحقيق بمعناه الأكاديمي الحديث معروفًا، بل كان العلماء القدماء يعتمدون على مقابلة النسخ، والتصحيح على الأصول، وكتابة الحواشي والتعليقات، وإجازة النسخة المعتمدة.
فالتحقيق في التراث مصطلح معاصر، يدور مفهومه حول التثبت والصحة وإخراج النص بصورة علمية تبتعد عن التصحيف والتحريف، وبذل الجهود في التتبع والفحص عن المخطوط الأصل أو النسخ الأقدم والأقرب منه، وضبطه، والتأكد من عنوانه، واسم مؤلفه، ونسبة المخطوط إليه، وإخراج المتن بأقرب صورة للأصل.
وهذا المقال يأتي ليبحث عن حركة تحقيق تراث الأحساء العلمي المعاصر في الحواضر العلمية على صعيد مؤسسات البحث العلمي، أو مراكز البحث والتحقيق والنشر أو الحوزات العلمية، أو الأسر والأفراد، وسرد هذه التحقيقات العلمية على شكل نماذج وبصفة مختصرة، فالمقام لا يسع للتفصيل.
والتحقيق العلمي يعدّ أساسًا لكل بحث تاريخي رصين، والباحث إذا اعتمد على نصوص غير محققة فقد يبني استنتاجاته على أخطاء ناسخ أو تصحيف باحث.
فلا يقتصر دور الباحث في التراث في حفظ ونشر المعرفة فحسب، بل قد تكون له ممارسة أوسع إلى مهمة تجمع بين السرد التاريخي والبناء العلمي الذي يعيد إحياء التراث في سياقه الأصلي ومصدره الأول كما أراده مؤلفه، وهنا يتحول الباحث من راوي لتاريخ قد يحوي تصحيفًا إلى محقق يضع النقاط على الحروف.
وفي المشهد الثقافي الأحسائي الحديث نسلط الضوء على الحواضر العلمية التي قامت بدور رئيسي في دعم حركة التحقيق في تراث الأحساء عبر مشاريع البحوث والدراسات وتحقيقات الرسائل العلمية، سواء في مؤسسات البحث والتحقيق والنشر مثل مؤسسة فكر الأوحد للتحقيق والطباعة والنشر، حيث تولت تحقيق ونشر أكثر من 30 إصدارًا علميًا وفكريًا، أو جمعية ابن أبي جمهور لإحياء التراث، أو مؤسسة المصطفى لإحياء التراث، وكذلك ما قامت به الحواضر العلمية على صعيد التحقيقات والبحوث والتقريرات في الأوساط الحوزية العلمية بالأحساء، وما أسهمت به الأسر والأفراد من العلماء والمثقفين من تحقيقات أثرت تراث الأحساء العلمي.
فعلى صعيد مشاريع تحقيق تراث الأحساء في الحوزة العلمية بالأحساء، فقد ساهمت في تحقيق كثير من تراث أعلام الأحساء الماضين، ومن هذه التحقيقات ما نُشر في ريادة للدراسات الإسلامية التي تصدر بحوثًا وتقريرات وتحقيقات كل نصف سنة، منها تحقيق مخطوط «النية في الوضوء» للمرجع الديني الشيخ موسى بن عبدالله بوخمسين، وهو بحث فقهي استدلالي، تحقيق الشيخ عبدالله بن الشيخ حسن بن الشيخ باقر بن الشيخ موسى بوخمسين، وكذلك رسالة الفقيه الشيخ علي الخاقاني مع تعليق الفقيه السيد ناصر الأحسائي، تحقيق الشيخ زكريا بن محمد القطيفي، ومخطوطة «صلاة الجماعة» للفقيه الشيخ طاهر بن المرجع الديني الشيخ محمد بوخمسين «ت 1341 هـ»، تحقيق الشيخ سلمان بن مبارك الجميعة، ورسالة في مباحث الألفاظ من مصنفات سماحة المرجع الديني الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي، تحقيق الشيخ يوسف بن محمد عبد السلام.
وضمن مشاريع التحقيق المؤسسي لتراث الأحساء ما قامت به مؤسسة فكر الأوحد للتحقيق والطباعة والنشر من تحقيق تراث الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي، وهذا المشروع يُعد من أبرز مشاريع تحقيق التراث الأحسائي لكثرة مؤلفاته وتعدد نسخها الخطية، وملامح مشروع التحقيق تضمنت جمع جميع النسخ الخطية للكتاب من مكتبات العراق وإيران والأحساء، ومقابلة النسخ وإثبات الفروق بينها، واختيار النسخة الأم، وتوثيق المصادر التي اعتمد عليها الشيخ، وشرح الألفاظ والمصطلحات الفلسفية والعرفانية والكلامية، وإعداد دراسة علمية عن الكتاب ومنهجه وأهميته، ووضع الفهارس الفنية.
ومن أشهر الكتب التي صدرت لها تحقيقات «شرح الزيارة الجامعة الكبير»، و«شرح العرشية»، و«شرح المشاعر»، و«جوامع الكلم»، و«العصمة»، و«الرجعة»، و«التفسير»، و«الأجوبة والمسائل». وبرز هذا الجهد المؤسسي لإحياء تراث الشيخ الأوحد من خلال جمع المخطوطات وتحقيقها، ونشرها ورقيًا وإلكترونيًا، ومنها كتاب «الهداية في البيان والمعاني في علم الحكمة»، وفي حاشيته: تصحيح وتحقيق الشيخ حيدر الحرز، وكتاب «تفسير الشيخ الأوحد الأحسائي»، جمع للآيات المفسرة في كتب الشيخ أحمد بن زين الدين الشيخ الأحسائي، جمع وإعداد وتحقيق راضي ناصر السلمان، وكتاب «أنوار الغيب» تحقيق وتعليق أحمد عبد الوهاب البوشفيع، وكتاب «علم المحجة» تحقيق وتعليق أحمد عبد الوهاب البوشفيع.
وضمن التحقيق المؤسسي لتراث الأحساء ساهم مركز ابن أبي جمهور الأحسائي لإحياء التراث في تحقيق جزء مهم من تراث الشيخ محمد بن علي بن أبي جمهور الأحسائي، لكن تراثه لم يُحقق كاملًا، وما زالت بعض مؤلفاته ورسائله ومخطوطاته بحاجة إلى تحقيق علمي.
ومن أبرز كتبه التي حُققت وطُبعت «عوالي اللآلي العزيزية في الأحاديث الدينية» «حقق في عدة مجلدات»، ومنها «مُجلّى مرآة المنجي» في الكلام والحكمتين والتصوف، والرسائل الكلامية والفلسفية، وعدد من الرسائل الصغيرة التي نُشرت ضمن مجموعات علمية، وكتاب «كشف البراهين في شرح رسالة زاد المسافرين»، وقد صدر بتحقيق وجيه بن محمد المسبح ضمن منشورات جمعية ابن أبي جمهور الأحسائي لإحياء التراث، وكتاب «هداية العباد إلى طريق الحق والرشاد»، تحقيق ونشر المؤسسة الإسلامية للبحوث والمعلومات، مركز ابن أبي جمهور لإحياء التراث.
وضمن التحقيق المؤسسي ساهمت مؤسسة المصطفى لإحياء التراث في تحقيق العديد من المؤلفات الأحسائية، ومنها كتاب «مفاتيح الأنوار في بيان معرفة مصابيح الأسرار» تأليف الشيخ محمد آل أبي خمسين، تحقيق الشيخ عبد المنعم العمران «جزأين»، وكتاب «رسالة شاه زاده» تأليف الشيخ محمد تقي الأحسائي، تحقيق الشيخ عبد المنعم العمران، وكتاب «دعوى وحدة الناطق أدلة بطلانها» من كتب الشيخ الأحسائي والسيد الرشتي، تأليف الشيخ حبيب بن قرين الأحسائي، تحقيق الشيخ عبد المنعم العمران، وكتاب «الرسالة الخراسانية» تأليف الشيخ محمد آل أبي خمسين، تحقيق الشيخ عبد المنعم العمران، وكتاب «منار رفع الشبهات عن اختصاص التقليد بالأحياء دون الأموات» تأليف الشيخ حبيب بن قرين الأحسائي، تحقيق الشيخ عبد المنعم العمران، وكتاب «النور المضيء في معرفة الكنز الخفي» تأليف الشيخ محمد آل أبي خمسين، تحقيق الشيخ عبد المنعم العمران.
وعلى صعيد الجهد الأسري لتحقيق تراث الأحساء، فقد قامت أسرة آل أبي خمسين في الأحساء، وهي من الأسر العلمية، بتحقيق التراث العلمي لمخطوطات بعض علماء الأسرة، وقد تم تحقيق مجموعة من المخطوطات وإخراجها إلى عالم الطباعة، ومن بينها مخطوط «تبصرة المهتدي» و«النص الجلي» لتراث الشيخ موسى بن عبدالله بوخمسين «1296 - 1353 هـ»، تحقيق حفيده الشيخ حسن بن الشيخ باقر بوخمسين «طبع في بيروت سنة 1414 هـ - 1994 م»، كذلك كتاب «لماذا نقدس القرآن؟» للعلامة الشيخ محمد باقر بن آية الله الشيخ موسى بوخمسين، تحقيق الشيخ حسين بوخمسين وإبراهيم سلمان بوخمسين.
ومن أبرز المهتمين والمحققين المعاصرين على صعيد الأفراد المحليين الذين شاركوا في تحقيق النصوص التاريخية والأدبية الأحسائية الشيخ عبد المنعم العمران، ويُعد من المحققين المعاصرين في الأحساء، وارتبط اسمه بإحياء تراث المدرسة الأحسائية وتحقيق عدد من مؤلفات علمائها، كذلك المحقق أحمد البدر له الكثير من التحقيقات، وساهم الكاتب أحمد عبد الهادي المحمد صالح بالعديد من التحقيقات، وللشيخ محمد الحرز العديد من التحقيقات، ومن الجهود الفردية أيضًا ما قام به بعض رجال العلم بتحقيق بعض المخطوطات، نذكر على سبيل المثال «بداية الهداية في التجويد» للشيخ عبد المحسن اللويمي المتوفى في عام 1245 هـ، وقد حققه وعلق عليه الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي، وطبع في لبنان سنة 1402 هـ.
وأحد أبرز المواقع الإلكترونية التي لها مساهمة في تحقيق تراث الأحساء العلمي مجمع الإمام الحسين العلمي لتحقيق التراث، ينشر ويهتم بالتراث العربي المحقق، ويحوي تحقيقات علمية لتراث أعلام علماء الأحساء الماضين.
وأهمية التحقيق للتراث ترتكز في تصحيح كثير من أخطاء الباحثين والمؤرخين، فالباحث قد يبني رأيه على نص محرّف أو نسخة ناقصة، أو قراءة خاطئة، أو طبعة غير دقيقة. ويهتم الباحث بفهم النص ونشره، بينما المحقق يهتم ببناء وإخراج «النص الأصلي».
من ذلك فإن النهضة بالتراث تقوم على التكامل بين البحث التراثي والتحقيق العلمي، فلا يمكن كتابة بحث علمي دقيق ورصين في التاريخ أو الأدب أو الفقه دون الاعتماد على نصوص محققة بدقة.













