الحلقة السادسة
زيارة تسع ساعات... من طبيب النفوس إلى سيد الشهداء «6»
واصلت زينب السير إلى جوار أخيها، والبرد يتسلل إلى أطرافها، فيما كانت الرايات السوداء ترفرف فوق الرؤوس تحت ضربات الريح. ومع كل خطوة، كانت المسافة إلى الحرم تقصر، وكان قلبها يزداد دفئًا، حتى بدا لها أن حرارة الشوق أقوى من برد تلك الليلة القارس.
وسط الجموع المتدفقة، والهتافات المتعالية، والرايات التي بدت كأنها أجنحةٌ سوداء تحمل الحزن والوفاء، لاحت لهما من بعيد قبةٌ ذهبية تشقّ عتمة الليل.
توقفت زينب فجأة، وحدّقت فيها طويلًا.
رفعت يدها، وقالت بصوتٍ ارتجف من شدة الشوق:
— هذه قبة العباس... أعرفها.
سكتت لحظات، بينما كانت الريح الباردة تحرّك أطراف معطفها، ثم أضافت:
— كنت هنا قبل ثلاث سنوات.
تعلقت عيناها بالقبة، وانحدرت دموعها على خديها، ثم قالت بنبرةٍ موجعة:
— كنت يومها في حال... وأنا اليوم في حالٍ أخرى.
لم يستطع حسين أن يسمع بقية عبارتها. اغرورقت عيناه بالدموع، وشدّ على يدها الباردة قائلًا:
— لا تقولي هذا الكلام يا زينب... أنت اليوم في ضيافة أبي الفضل، وهذه نعمةٌ عظيمة.
مضيا نحو الحرم، وقلباهما يخفقان شوقًا.
كانت الدموع لا تتوقف، والخطوات تتسارع رغم شدة الزحام. لم يشعرا بتعب الطريق، ولا بثقل السهر، ولا بلسعات الهواء البارد، ولا بآلام المرض؛ فقد كان الشوق يحمل جسديهما، وكانت القبة تقترب منهما كأنها تمد إليهما طريقًا من نور.
وحين بلغا حرم أبي الفضل العباس
، وقفت زينب عند المدخل، وأخذت تتأمل المكان بصمت.
كانت تسمع نداءات الزائرين، وترى الوجوه المبللة بالدموع، وتشعر أن كل من في الحرم يحمل جرحًا، وجاء ليضعه عند باب قمر بني هاشم.
قال حسين بقلق:
— أختي، هل أنت بخير؟ هل تستطيعين الدخول؟ الزحام شديد يا عزيزتي، والبرد قد أتعبك. يمكننا أن نزور من هنا إن كان الأمر شاقًّا عليك.
نظرت إليه زينب بثبات، وقالت:
— يا أخي، لقد قطعنا كل هذه المسافة لنكون في أقرب نقطة. سأدخل، وأصلي، وأزور، وأقرأ ما أستطيع.
قال حسين:
— الوقت ضيق جدًا. هل تكفي ساعتان؟
تنهدت زينب وقالت:
— لا تكفي لحديث القلب، ولكنها كل ما نملك الآن.
افترقا عند المدخل؛ دخلت زينب من باب صاحب الزمان، ودخل حسين من باب الإمام الحسين.
ما إن تجاوزت زينب الباب حتى شعرت بدفء المكان يحيط بها، بعد أن ظل البرد يرافقها في الطريق. دخلت بخطواتٍ بطيئة، لكن قلبها كان يسبقها، وهيبة الحرم تحيط بها من كل جانب.
رفعت عينيها نحو الضريح، وهمست:
— يا أبا الفضل... جئتك وأنا أحمل في جسدي مرضًا، وفي قلبي حاجاتٍ كثيرة، لكن أعظم حاجتي أن تقبلني زائرة.
جلست في زاويةٍ قريبة، وفتحت كتاب الزيارة. قرأت ما استطاعت، ثم توقفت مراتٍ كثيرة حين كانت الدموع تحجب عنها الكلمات.
صلّت ركعاتٍ متقطعةً بأنفاسٍ مثقلة، ورفعت يديها بالدعاء، ثم أخذت تناجي العباس
:
— يا كافل زينب... كن لي سندًا في ضعفي، وخذ بيدي كما كنت سندًا لأختك في يوم الطف.
أما حسين، فكان في الجهة الأخرى من الحرم، يصلي ويدعو لأخته، ويكرر في قلبه:
— يا أبا الفضل، جئتك بزينب أخرى، أنهكها المرض وأتعبها الطريق، فلا تردها مكسورة الخاطر.
مضت الساعتان سريعًا، كأنهما دقائق قليلة.
خرج حسين، فعاد البرد يلفحه من جديد، وانتظر أخته عند الموضع المتفق عليه.
وبعد لحظات، ظهرت زينب بين الزائرات.
كانت تمشي ببطء، وعيناها متورمتين من كثرة البكاء، لكن وجهها كان يفيض سكينةً غريبة. بدت كأنها تركت شيئًا من ألمها في الداخل، وخرجت تحمل في صدرها قوةً جديدة ودفئًا لا تصنعه الثياب.
قال لها حسين:
— تقبّل الله يا أختي.
هزّت رأسها، ولم تستطع أن تجيب.
سألها:
— هل نذهب الآن إلى الحسين
؟ أمامنا هذه الحشود، والمسافة ليست قصيرة، والهواء شديد البرودة. هل تستطيعين؟
مسحت دموعها، وقالت:
— نعم... أستطيع.
كان الطريق بين الحرمين مزدحمًا بالأقدام والرايات والنداءات. كانت الريح الباردة تعصف في الساحة، وتدفع الرايات بقوة، فيما كان الزائرون يلفّون عباءاتهم حول أجسادهم، ويمضون من غير توقف.
أما زينب فكانت تمشي كأنها لا ترى إلا القبة الحسينية.
كلما اقتربت، ازداد خفقان قلبها.
كانت تسأل نفسها:
— هل أنا في حلم؟ كيف حدث كل هذا؟ كيف تحولت صورة كربلاء التي كنت أبكي أمامها في غرفتي إلى طريقٍ أسير فيه الآن؟
خطت خطواتٍ أخرى، ثم ظهرت أمامها بوابات الحرم الحسيني.
توقفت أنفاسها.
نظر حسين إليها، فرأى وجهها قد شحب، والدموع تنهمر من عينيها، فيما كانت أنفاسها تظهر في الهواء البارد كخيوطٍ بيضاء.
قال بقلق:
— أختي، هل أنت بخير؟ دعينا نزور من هنا. أخشى عليك من الزحام والبرد.
بكت زينب، وهزّت رأسها بقوة:
— لا... سأدخل.
قالت العبارة كما لو أنها تدافع عن آخر أمنيةٍ في عمرها.
ثم أضافت:
— لم آتِ كل هذا الطريق لأقف عند الباب.
نظر حسين إليها طويلًا، ثم قال:
— سنلتقي هنا بعد ساعتين. انتبهي لنفسك.
دخلت زينب من باب الكرامة، ودخل حسين من باب الشهداء.
كانت الحشود كثيفة، والأجساد متلاصقة، والخطوات بطيئة، لكن زينب أخذت تشق طريقها بشق الأنفس.
وفي كل مرة كانت تشعر أنها لا تستطيع التقدم، كانت قوةٌ خفية تدفعها خطوةً أخرى.
شيئًا فشيئًا، غاب عنها برد الطريق، ولم تعد تشعر بألمها، ولم تتذكر مرضها، ولم تسمع إلا نبض قلبها وهو يردد:
— حسين... حسين...
وفجأة، وجدت نفسها في وسط الحرم الشريف.
رفعت عينيها، ووقع بصرها على الضريح.
في تلك اللحظة، سقط كل ما بينها وبين الحسين.
سقط المرض، وسقط الخوف، وسقط البرد، وسقطت المسافات الطويلة، ولم يبقَ إلا قلبٌ مشتاق أمام حبيبه.
صرخت من أعماقها:
— واحسيناه!
ثم خارت قواها، وسقطت على الأرض تبكي.
بكت بكاء الحب.
بكت بكاء الشوق.
بكت بكاء المريضة التي تحمل حاجتها ولا تعرف كيف تصوغها.
بكت لأنها وصلت.
وبكت لأنها كانت تخشى ألا تصل.
بكت لأن الحسين استضافها، وفتح لها بابًا ظنته مستحيلًا.
كانت تريد أن تقول الكثير، لكن الكلمات تلاشت.
فقالت بدموعها:
— يا حسين، جئتك بجسدٍ أنهكه العلاج، وبقلبٍ أرهقه الخوف. جئتك لا أعترض، بل أرجو. لا أطلب منك أن تغيّر قدري، بل أن تمنحني القوة والرضا، وألّا تتركني وحيدةً في الطريق.
وضعت يدها على صدرها، وهمست:
— يا أبا عبدالله... إن كان في العمر بقية، فاجعلها قريبةً منك. وإن كان الرحيل قريبًا، فاجعل خاتمتي على محبتك.
أما حسين، فقد دخل الحرم والتعب يأخذ منه مأخذه.
كان جسده منهكًا من السفر والسهر والزحام والبرد، لكنه ظل يسير حتى وجد زاويةً خالية.
اتجه إليها، وجلس.
وما إن لامست ركبتاه الأرض حتى انهار باكيًا، وقال:
— واحسيناه!
فتح كتاب الزيارة، وحاول أن يقرأ، لكنه لم يستطع.
كانت الحروف تتداخل أمام عينيه، وصوته يختنق في صدره.
لم يقرأ شيئًا بلسانه.
لكن دموعه قرأت كل شيء.
قالت دموعه:
— يا حسين، لقد تفضلت علينا بالدعوة، ولم نكن نملك طريقًا إليك.
قالت دموعه:
— جئتك بأختي، وهي بين الخوف والرجاء، فاجبر قلبها.
وقالت:
— يا من يُستجاب الدعاء تحت قبته، أسألك أن تكتب لها العافية، وأن تمدّ في عمرها، وأن تعيدها إلى بيتها وهي أقوى مما جاءت.
ظل ساجدًا، يبكي ويدعو، ويشعر أن قلبه يفرغ ما فيه من خوفٍ منذ أن سمع كلام الأطباء.
مضت الساعتان.
خرج حسين إلى المكان المتفق عليه، فاستقبله الهواء البارد من جديد. ضمّ سترته إلى جسده، وظل يراقب الوجوه الخارجة من الحرم، يبحث بينها عن أخته.
وبعد دقائق، جاءت زينب.
وقفت أمامه.
ووقف أمامها.
لم يتحدثا.
كانت الكلمات أصغر من تلك اللحظة.
نظرت زينب إلى أخيها، وكانت دموعها تقول:
— شكرت الحسين لأنه استضافني، وأخبرته أنني لم أصدق أنني سأصل إليه.
ونظر حسين إليها، وكانت دموعه تقول:
— دعوت لكِ يا أختي عند الحسين، وسألته أن يمنّ عليك بالصحة والعافية، ونحن تحت قبة من يُستجاب الدعاء تحت قبته.
بقيا صامتين لحظات، فيما كانت الريح تحرك أطراف ملابسهما، وتتعالى من حولهما أصوات النداء والعزاء.
ثم مدّ حسين يده إليها، فأمسكت بها.
وسارا معًا بعيدًا عن باب الحرم.
كان البرد يلفّ كربلاء، لكن قلبيهما كانا ممتلئين بدفءٍ آخر.
ابتعد جسداهما عن الحرم...
أما قلباهما فبقيا هناك،
عند الحسين.
للقصة بقية...













