آخر تحديث: 2 / 8 / 2026م - 11:27 م

الجميع يوافقني... وهذا بالضبط ما يقلقني!

أمجد القواعين

لا أدعي أني نبي، لكن في السنوات الأخيرة لاحظت تشابهاً مقلقاً بيني وبين الأنبياء في شيء واحد فقط على الأقل: الجميع من حولي يوافقني. والفرق أن الأنبياء عانوا من الرفض، وأنا أعاني من القبول. في الجلسات يومئون، وفي النقاش يصفقون، وفي الواتساب يرسلون قلوبًا وأصابع إعجاب، حتى بدأت أظن أني أملك نظرة ثاقبة وعقلاً متميزاً وربما موهبة خفية في صياغة الحقيقة التي يعجز عنها غيري. وكنت مرتاحاً لهذا الوضع المريح جداً، حتى جاء فلان - الذي لن أذكر اسمه في مقالي - وخرّب كل شيء.

فلان هذا ليس من جلسائي المعتادين، التقيته بالصدفة في مناسبة لم أكن أتوقع أن تغير وجهة نظري في أي شيء. فتح فمه، وقال رأيًا مختلفًا تمامًا عما أقوله، بهدوء من لا يعرف أنه يدمر يقيني، ومعه أدلة لم أسمع بها، وزاوية لم أفكر فيها يومًا. صمتّ. ثم تذكرت كل الرؤوس التي أومأت لي. ثم أدركت أنهم أومأوا ليس لأني كنت محقًا، بل لأنهم هم أيضًا يفكرون بنفس الطريقة، لأني اخترتهم أصلًا لأنهم يفكرون بنفس الطريقة، وهكذا كنا جميعًا نجلس في دائرة مغلقة نمدح أفكار بعضنا بكل صدق وإخلاص، مثل فريق كرة قدم يمارس التمريرة فيما بينهم ويظن أنه يلعب مباراة.

نحن لا نختار أصدقاءنا بالصدفة، نختارهم بمعايير دقيقة جدًا لا نعترف بها علنًا. الشخص الذي يوافقنا يصبح ”واعيًا ومثقفًا وكفو عليه الوردة“، والشخص الذي يختلف يصبح ”متعصبًا وما يفهم التيس“. الذي يضحك على نفس النكات ”ذوقه رفيع“، والذي لا يضحك ”ثقيل دم ونفسية“. وتدريجيًا، وبكل حب ونية صافية، نُقصي كل من يختلف عنا حتى يكتمل المجلس ويصبح متجانسًا تجانسًا مريحًا، مثل لباس مطابق اللون من الرأس للقدم، يبدو أنيقًا لكنه يفتقر لأي مفاجأة.

والأخطر من الراحة أننا نفقد أهم أداة في حياتنا: المرآة الحقيقية. المرآة ليست الشخص الذي يقول ”والله وجهك منور اليوم“، بل الشخص الذي يقول ”عندك شيء في أسنانك“. وأكثر أصدقائنا المقربين اليوم هم النوع الأول، يخبروننا أن آراءنا صحيحة وأفكارنا عميقة وتحليلاتنا دقيقة، ونحن بدورنا نفعل لهم نفس الشيء، وهكذا نبني معًا صرحًا شامخًا من المديح المتبادل لا أساس له إلا موافقة بعضنا على بعض.

ثم جاء الإنترنت وقال ”عندي الحل“، وصدقناه بسذاجة مؤثرة. قلنا: العالم صار قرية صغيرة، وسنسمع آراء مختلفة، وستتنوع وجهات النظر. وفتحنا التطبيقات بتفاؤل. لكن الخوارزمية، ذلك الكائن الذكي الذي لا وجه له ولا ضمير ولا أي مشاعر نحونا - لعنه الله -، كانت لها خطة مختلفة. راقبتنا ورصدت ما نحب وما نكره وما يجعلنا نمرر بسرعة وما يجعلنا نتوقف، ثم بنت لنا عالمًا مخصصًا يشبهنا تمامًا. عالم فيه آراؤنا مؤكدة، وقناعاتنا معززة، وكل من يختلف مع رأينا يظهر فقط ليُهزم في تعليق ساخر يحصل على ألف إعجاب من مجتمعنا - المتجانس الكريم -.

وأطرف ما في الأمر أن الخوارزمية تمنحنا وهم التنوع بكفاءة احترافية. نرى آراء كثيرة ووجهات نظر ”متعددة“ وأشخاصًا من بلدان مختلفة، لكنهم جميعًا يتفقون معنا في النهاية، فنخرج بانطباع أن رأينا ”عالمي وإنساني وكوني“. والحقيقة أن الخوارزمية اختارت لنا من يوافقنا من كل بلد وتركت المختلفين لأناس آخرين في فقاعات أخرى يشعرون بنفس الشعور الكوني العظيم. يعني في نفس اللحظة التي نشعر فيها أن العالم كله يتفق معنا، هناك شخص في الجهة الأخرى من الكرة الأرضية يشعر أن العالم كله يتفق معه وهو يعتقد عكس ما نعتقد تمامًا. والخوارزمية سعيدة، وصاحب التطبيق سعيد، وكلنا سعيدين.

أدركت متأخرًا أن الشخص الذي يوافقني على كل شيء إما أنه لا يفكر، أو أنه يكذب، وكلا الاحتمالين لا يخدمني. وأن - فلان - الذي خرّب يقيني كان يقدم لي خدمة لم أطلبها ولم أشكره عليها، لكنها كانت أنفع من كل الإيماءات والقلوب والأصابع التي جمعتها في سنوات.

والخلاصة أني أكتب هذا المقال، وأنت تقرأه الآن - وتوافق عليه يا حلو -، وهذا وحده يعني أنك لو اختلفت معه كنت أغلقته من الفقرة الثانية، ونحن الآن في النهاية!