آخر تحديث: 31 / 7 / 2026م - 11:16 م

إسفنجة

المهندس أمير الصالح *

يُقال بأن عقل الطفل إسفنجة؛ لأنه يستقبل كل شيء ويتشرب به، ويحاكيه سلوكًا، سواء بالكلام أو الحركة أو الفعل. وأقول أيضًا إن هناك عقولًا لأشخاص كبار في السن «رجل/ امرأة»، تعمل عمل الإسفنجة؛ لأنها تأخذ ما تراه في تطبيقات السوشال ميديا ولا تفرز الغث من السمين، ويعمل به؛ وإن أعطت فإنها تعطي السيئ عبر محاكاة وتقليد كلمات بذيئة shxxt / Fxxk / damn it / your axx!!! أو لبس فاضح، أو تسريحات شعر مبتذلة، أو تقليد إيحاءات منزوعة من الاحترام. شيئًا فشيئًا تنطمس أرواح أولئك من الرحمة والغيرة والعزة والنخوة والشهامة وحب الشرف، وتنتكس لتستأنس بالمجون والخلاعة، ومشاهدة المبتذل من الرجال والنساء، وسماع ساقط الكلام، وهز جذع الجسد على بعض الأنغام، وكره سماع كلام الحق!

ميديا للمرة المليون

في الواقع، أضحت السوشال ميديا، بعد أن كان التلفاز والصحف والقصص، المصدر الأكبر لصنع قناعات عدد كبير من الرجال والنساء والأطفال والمراهقين في مجتمعات عديدة حول العالم. فالعالم الرقمي العالمي اليوم، وفي ظل العولمة التجارية، الذي اخترق حجب الرقابات الرسمية، ومزق الرقابة الأهلية، قرّب البعيد المحظور سابقًا، وفي أحيانٍ كثيرة أبعد أقرب الناس إلى الإنسان، كإخوانه وزوجته ووالديه، ونفّره من جميل القيم، ورزين الأقوال، وحكيم الأفعال.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، في عالم اليوم أصبح كثير من الأزواج والزوجات يتعرضون يوميًا لسيل عارم من مقاطع الفيديو والمنشورات والأفلام الكرتونية التحريضية ضد الحياة الزوجية «الزوج/ الزوجة»، وتُصور الطرف الآخر على أنه سبب شقائه وتعاسته وهمومه، واستنزاف أمواله، وتدهور صحته، واحتراق طموحه، وضياع فرص الحياة من يده، بل وكل المشاكل التي حلت به.

وتُغذي قنوات السوشال ميديا المتعددة الشك، وتُسمن فكرة الخيانة الزوجية من طرف ضد الطرف الآخر، وتنشر سوء الظن بأي تصرف، بل وتسعى إلى التحريض عبر دس الكراهية وخلق النفور، حتى يظن الإنسان المتلقي والمشاهد لتلك المنشورات والمقاطع أن كل العلاقات الزوجية فاشلة، أو مصيرها الفشل وإن طال الزمن بها.

وإقناع الفتيات والفتيان بأن العلاقات الجسدية العابرة، وقضاء الحاجات الشهوانية الجاهزة، هي الأنجع لهم، حسب مرئيات تلك المنصات؛ حيث إنها تروج لفكرة/أفكار تمر دون هموم بيت، ومصاريف زواج باهظة، واستنزاف عاطفي حارق، وحوكمة مستمرة، ونقد دائم، وطلبات يومية دون أي تقدير أو هوادة.

حتى إن بعض الشباب المستهتر، أو اللعاب، أو منعدم الوعي، اقتبس شعار المضاربين بسوق تداول لأسهم، ويصرح به دون أي مواربة، والشعار هو: «كل فطير وطير».

والحقيقة أن خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي، مع تطور منظومة الذكاء الاصطناعي وتحليل اهتمامات المستخدم وإغوائه أثناء البحث في منصات ومواقع بعض تطبيقات التواصل الاجتماعي، تُظهر غالبًا المحتوى الذي يثير الانفعال، ويحرك الشهوات، ويستنزف الوقت؛ لأن ذلك يصب في مصلحة الشركات المالكة للمحركات الرقمية «أطول وقت تصفح، وأكثر مبيعات، وبذلك أكثر ربحية». وهناك اقتصاد جديد برز على الساحة يحمل عنوان «اقتصاد جذب الانتباه «Attention Economy»». ويمكن للمهتم البحث عن هذا المصطلح وتشعبات تطبيقاته.

والدافع لكل ذلك في عالم الرأسمالية الجشع والمتمدد هو الربح، وزيادة المبيعات، دون أي قيود أو احترازات، كما أنه لا يهتم بالدين، ولا المجتمع، ولا العفة، ولا الاستقرار النفسي للإنسان، ولا المودة بين أفراد الأسرة. بل إن هم أولئك هو إحداث أكبر قدر من التفاعل والمتابعة في العالم الرقمي لكسب أكبر مبلغ مالي. وحتماً هناك طمس لمعالم أي وعي وإدراك لدى الرجال والنساء البالغين، فضلًا عن المراهقين والفتيات ضحلي التجارب وقليلي الوعي، إلا ما رحم ربي.

نعم، هناك بحمد الله نفر صالحون سعوا ويسعون جاهدين لبناء الوعي وتحصين الإنسان من الانزلاق في دروب الزلق، إلا أن عالم الاستنزاف الرقمي للمجتمع، مع إمكاناته الهائلة، اكتسح ويكتسح جهود أولئك النفر ذوي الإمكانات المحدودة جدًا. ونجح أولئك الرأسماليون الليبراليون في تصدير أنماط استهلاك معينة تخدم أجندات معينة، بينما إمكانات جل أولئك النفر الصالح متواضعة جدًا لإحداث التغيير الأنجع في كسر سيطرة منصات وتطبيقات التواصل الاجتماعي العالمية الشهيرة والمؤثرة.

ومع تواتر رسائل الشحن السلبي من جانب، ورسائل الإغواء والإغراء الرقمية الاحترافية من جانب آخر، سواء في تحريض الزوج ضد زوجته، أو تحريض الأبناء ضد آبائهم، أو إغواء الرجال نحو المغريات المبتذلة، ومع مرور الوقت وزيادة الجرعات المستهلكة من العالم الرقمي لدى البعض، قد تغيرت أو تتغير نظرة الكثير منهم/ منهن نحو شريك حياته دون أن يشعر بذلك، وانهارت بيوت كانت سعيدة ومستقرة.

قد تبدأ الأمور بالمقارنة في الإمكانات المادية بين الزوج وأقرانه من الرجال، ثم تمر بمرحلة العتاب المستمر، ثم التذمر الدائم من الحال الذي يعيشونه، ثم بمرحلة تفسير المواقف بطريقة سلبية، ثم بمرحلة الشك في السلوك، ثم بمرحلة طلب الانفصال، ثم قد تمر بمرحلة ولوج عالم البحث عن بدائل، أو الارتماء في أحضان شلل الضياع والعربدة، وقد تكون تلك الشلل سيئة، أو حتى عفنة ومنبوذة.

حملات وعي واحتواء

في الواقع، البيت القنوع والعصامي مجملًا يكون مليئًا بالمودة والرحمة والحب والإيثار والاستئناس والحوارات المفتوحة والأنشطة المتعددة. ويزرع الزوج، كونه القائد وربان المركب، قصارى جهده لجعل البيت حضنًا دافئًا للجميع، والزوجة الوفية تكون نعم العون في تلك المهمة.

وعليه، يكون إيقاف استنزاف العالم الرقمي الافتراضي لوقته ووقت أفراد أسرته أمرًا مهمًا جدًا، وتوجيههم لما هو هادف ونافع وجميل من الأنشطة والفعاليات والمهرجانات والمسابقات والمحافل واللقاءات.

إلا أن غفلة الأبوين كليهما أو أحدهما، وشراهة استهلاك مواقع التواصل الاجتماعي بأساليبها الجذابة والمخادعة والمنمقة، سواء لسهولة الولوج إليها عبر الهاتف الخلوي «الجوال»، أو بسبب توفر شبكات الواي فاي في أماكن عدة خارج البيت، أو نتيجة اعتزال وانطواء كل فرد من الأسرة عن الآخر، جعلت البعض يدخل في دوائر مظلمة قد تبدأ:

1- بمقارنة ما لدى الآخرين من أملاك وسيارات وعقارات بما يملكه هو.

2- وبمقارنة ما وصل إليه زملاؤه من مناصب وثروات وسفرات ووجاهة اجتماعية.

3- وبمقارنة جمال الآخرين/ الأخريات بشريك حياته، في المظهر والجسد والأملاك وسعة المنازل، بما يملكه شريك حياته.

حتماً، مع الوقت، وفي ظل غياب الوعي، تتسلل التعاسة إلى قلب ذلك الضحية «الرجل/ المرأة/ المراهق» شيئًا فشيئًا، ويتشرب عقله وروحه وتفكيره، كالإسفنجة، ما يراه يوميًا وفق برمجة الخوارزميات الإلكترونية المتطورة. وتنتكس حياة ذلك الإنسان من إنسان سعى ويسعى للحكمة والنجاح والاستقرار وصنع المثل الأعلى لأولاده، إلى شخص مهوس بالهياط والعبثية والتفاهة، أو مسلسلات الغرام، وقصص الجنس، ومشاهدة الصور الساقطة، أو المراهقة المتأخرة، أو إذلال النفس باتباع الشهوات لإشباع فرجه وبطنه دون قيود أو وازع من ضمير.

الإنسان يعبد ما ينصت إليه… فكيف بما يراه؟

سواء شعر الإنسان «رجل/ امرأة» بذلك أم لم يشعر، فإن الإنسان تُصاغ أفكاره ومعتقداته، وبالتالي سلوكه، بناءً على ما يكرر سماعه ومشاهدته، ويغذي به حديثه مع نفسه، ويُسمِّن به عقله الباطن. فكيف بإنسان ينزف وقته في المشاهدات المتكررة لفكرة معينة، أو إحساس معين، أو مشاهد معينة؟!

الإنسان أولًا

نحكم على أي إنسان بناءً على سلوكه وطريقة تعامله؛ لنقرأ صفحات أخلاقه، ومواقفه، وحواراته، فإن كل ذلك انعكاس لقناعاته وأفكاره.

وعليه، نطلق لأنفسنا أولًا، وللآخرين، نداءً لحماية البيوت من مخالب الفتن الرقمية الشيطانية التي تديرها شركات عابرة للقارات، مدججة بعلماء نفس، وعلماء إعلام، ومطورين، وباحثين كثر. فكل ما قد نغذي به أبصارنا وأسماعنا، حتمًا سيكبر في الأذهان، ويستقر في القلوب، وينعكس في التصرفات.

وعي الإنسان بما يحيط به، وانتقاؤه للأفضل في كل وسيلة متاحة له، والابتعاد عن الأسوأ، سواء في العالم الواقعي أو الرقمي، يجعله مع الوقت، وعبر تنشيط عضلة تهذيب النفس المستمر، أيقونةً ومنارة هدى له ولأبنائه ولمن حوله وللأجيال القادمة؛ بينما انخراطه مع كل ناعق، وميله مع كل ريح بمسمى «الترند»، قد يجعل منه إمعة وأضحوكة ومثار سخرية، ووصمة عار على جبينه عبر الأجيال. وقد يصل ببعضهم الحال إلى أن يهدم بيته بيده دون شعور منه/ منها.

نقطة ضوء

يُقال إن الزوجين الصادقين الوفيين يتبادلان بشكل مستمر كلمات ورسائل التقدير والحب والتقدير لما يبذله كل منهما للآخر وللعائلة. والواقع يقول إن هكذا فعل أمر جيد، وجالب لاستمرار المحبة، وكسر حبال الوسواس الخناس، واستمرار إبحار السفينة العائلية نحو أعالي القيم والسعادة والرضا والنجاح.

فليتفنن كل شخص في إطلاق مبادراته العائلية داخل بيته؛ لضمان استمرار وجود السعادة داخل المنزل.