قصص العاشقين 53...
لم يطلب منّا الدعاء
بعض الحكايات لا تعرف إلى أي باب تنتمي.
أهي من وجع المرضى… أم من أسرار العاشقين؟
فالمرض فيها لم يكن سوى وسيلة، أما العشق فكان هو الغاية والهدف.
وما سأرويه هذه المرة حكاه لي أخي أبو محمد، وما زلت كلما استعدته ازددت يقيناً أن للعاشقين أدعية لا تشبه أدعية الناس.
يحكي أبو محمد:
زرت ابن عمي حسين في بيته في المنامة قبل أسبوع من سفرنا إلى كربلاء، بعد خروجه من المستشفى.
كان المرض قد أنهكه حتى بدا كأنه اتخذ قراره الأخير.
قبل أشهر كان يمشي متكئاً على عكاز ثم صار لا يخطو إلا خطوات معدودة… أما اليوم… وللأسف… فلم يعد يقوى على الحركة حتى داخل منزله إلا على كرسي متحرك.
لكن شيئاً واحداً كان يثير دهشتي… وجهه.
كان وجهه منوراً يفيض سكينة على غير ما يوحي به جسده المتعب.
حاولت أن أبعث في نفسه شيئاً من الأمل وأحدثّه عن رحمة الله وعن تأثير الدعاء وعن تطور العلاجات في هذه الأيام، لكنه كان يستمع إليّ بابتسامة هادئة وقلبه مشغول بما لا أعلم.
حين هممت بالمغادرة قلت له:
سأغادر بعد غد الخميس إلى كربلاء… إلى كعبة العاشقين الإمام الحسين
.
انتظرت أن يقول:
”لا تنسني من الدعاء“
فما من مؤمن يعرف تلك البقعة إلا وتسبق هذه الوصية لسانه.
لكنه ظلّ صامتاً لحظات ثم ابتسم وقال بهدوء:
”تروحون وترجعون بالسلامة“.
انتهى حديثه… أما أنا فلم ينتهي.
خرجت من عنده وفي صدري سؤال لم أجد له جواباً.
كيف لشخص بلغ منه المرض هذا المبلغ ويعلم أن الدعاء مستجاب هناك ثم لا يطلب الدعاء؟
بعد يومين وصلنا النجف الأشرف ومنها بدئنا السير مع ملايين العاشقين.
في ذلك الطريق لا تمشي الأقدام وحدها… بل الأرواح هي التي تقود الأجساد.
ثمانون كيلو متراً فقط… لكنها تختصر أعماراً كاملة وتحمل في كل خطوة حكاية عاشق وفي كل موكب قصة يقين.
حين بلغنا كربلاء، نسينا تعب الطريق كله عند أول نظرة إلى القبة الذهبية… وكأن وحياً يقول لنا: أهلاً وسهلاً بزواري.
في صباح اليوم التالي بينما كنا نتبادل الأحاديث، قال لي أحد الإخوة في الحملة:
أتعرف ابن عمك حسين من المنامة؟
قلت: نعم.
قال: رأيته البارحة عند الضريح… على كرسي متحرك… يبكي ويتضرع طويلاً.
تجمدت الكلمات في فمي… أيعقل؟
هو نفسه حسين الذي تركته قبل أيام عاجزاً عن الحركة في بيته؟
كيف استطاع أن يصل إلى هنا؟
لكن… لكن العشق لا يعرف العجز.
ورغم ذلك، سؤال آخر يحاصرني… إضافة إلى الأسئلة السابقة… إذا كان قد جاء بنفسه… فلمإذا لم يطلب مني الدعاء عندما أخبرته أنني مسافر إلى هنا؟
ألم يكن دعاؤنا جميعاً أرجى للإجابة؟
ظل السؤال بل الأسئلة ترافقني حتى قررنا أنا وبعض الأصدقاء أن نزوره في الفندق الذي يقيم فيه.
رتبنا الزيارة مع أخوه الذي يرافقه واتفقنا أن تكون بعد الإفطار وقبل صلاة الظهر من اليوم التالي.
وصلنا الفندق واستقبلنا أخوه عند الباب وقبل أن نصعد قال بصوت خافت:
" وضعه الصحي متعب جداً… لم يعد يستطيع النزول إلى بهو الفندق فاعذروا تقصيره.
صعدنا إلى غرفته.
فتح أخوه الباب فإذا به مستلق على سريره.
ما إن وقعت عيناه علينا حتى حاول أن ينهض ليستقبلنا… لكن جسده خذله… فعاد إلى مكانه مبتسماً.
تقدم الإخوة واحداً تلو الآخر يصافحونه وكنت أنا آخرهم.
حين وصلت إليه لم أستطع تمالك نفسي… انحنيت نحوه واحتضنته طويلاً وانفجرت بالبكاء.
قلت وأنا أمسح دموعي:
يا ابن عمي… ما الذي جاء بك إلى هنا وأنت بهذا الحال؟
ألم أخبرك قبل أسبوع أنني سأكون هنا؟
لمإذا لم تسألني أن أدعو لك؟
ألا يكفي دعاؤنا؟
ظل ينظر إليّ بصمت حتى هدئت قليلاً ثم رفع بيده رأسي من على صدره وقال بصوت يكاد يختلط بأنفاسه:
" والله… إني أعلم أن دعائك ودعاء من معك أقرب إلى الإجابة من دعائي… سكت… ثم أطرق برأسه ثم غلبته دموعه.
انتظرت بل انتظرنا جميعاً.
طال الصمت حتى شعرت أن وجهه يقول أكثر مما تخبر به الكلمات… التي ربما أتعبته.
قلت برفق: ولكن… مإذا يا ابن عمي؟
رفع رأسه وكان وجهه يشرق بنور غريب، بينما جسده يكاد لا يستجب له.
نظر إليّ ثم إلى الإخوة من حولي وقال بهدوء:
مإذا ستدعون لي؟
أجبته بلا تردد:
سندعو الله أن يشفيك وأن يغير حالك وأن تعود كما كنت وأفضل.
هز رأسه مبتسماً وقال:
أعلم… بل أنا على يقين أنكم ستدعون لي بهذا.
ساد الغرفة صمت ثقيل.
ثم قال:
”ولذلك لم أطلب منكم الدعاء“
نظر بعضنا إلى بعض في دهشة.
لم يملك أحد الإخوة نفسه فقال:
إذا كنت تعلم أن الدعاء لا يرد عند قبة سيد الشهداء
فلمإذا تكلفت هذا السفر كله وجئت وانت على هذا الحال؟
نظر إليه ثم أعاد بصره لنا جميعاً وقال بصوت مفعم باليقين:
لأنني أعلم أن الدعاء لا يرد تحت قبته… جئت وأنا على يقين أن الإمام سيقضي لي حاجتي.
ثم ابتسم ابتسامة عجيبة وقال:
وأنا… أنا… أشعر أنه قد قضاها.
ازداد استغرابنا.
كنا ننتظر أن يفسر لنا قصده لكنه أغلق عينيه وكأنه استنفذ ما بقي لديه من قوة.
حاولنا مواصلة الحديث لكن أخاه أشار لنا أن نخفف عنه فقد أتعبه الكلام.
ودعناه بدون أن يسمعنا.
خرجتُ من الغرفة أحمل أسئلة أكثر مما دخلت بها.
مرت ثلاثة أيام… هدأت فيها زحمة الزيارة قليلاً لكن كلمات ابن عمي لم تهدأ في داخلي.
كنت كلما تذكرت قوله:
”أنا على يقين أن الإمام قد قضى حاجتي“
ازددت حيرة.
أي حاجة يقصد؟
اتصلت بأخيه أكثر من مرة لكن هاتفه كان مغلقاً.
فاتصلت بأحد مسؤولي حملتهم وقلت له:
أود أن ازور حسين مرة أخرى قبل أن أغادر إلى الكاظمية.
ساد صمت قصير…
ثم سمعت عبر الهاتف بكاء مكتوماً.
قلت بقلق:
مإذا حدث؟… أهناك شيء أصاب ابن عمي حسين؟
قال بصوت متحشرج:
نعم…
نقل أمس بطائرة الإخلاء الطبي من كربلاء إلى بغداد… ومنها إلى البحرين.
سألته مسرعاً:
وكيف حاله الآن؟
أطرق قليلاً ثم قال:
أُدخل المستشفى مباشرة… والأطباء يرون أن حالته ميئوس منها… إنه يودّع.
أغلقت الهاتف ولم أستطع تمالك دموعي.
غيرتُ برنامج سفري واكتفيت بزيارة الإمامين الكاظميين عليهما السلام ثم عدت مباشرة إلى البحرين.
لم أصل إلا بعد يومين حتى سبقني الخبر… لقد رحل حسين.
ذهبت إلى مجلس العزاء حيث كان الحزن يخيم على الوجوه، أما أنا فمع حزني أحمل سؤالاً لم يمت بعد.
بعد انتهاء العزاء بأسبوع اتصلت بأخيه وطلبت أن أزوره زيارة خاصة.
رحب بي… ولم يعلم أنني لم آتي هذه المرة معزياً… بل باحثاً عن جواب.
جلست معه قليلاً، ثم قلت له مباشرة:
أريد أن أسألك عن أخيك حسين.
أشعر أن في قصته سراً لم يخبرني به.
أطرق برأسه طويلاً ثم بكى… وبكى.
وحين هدأ قال:
نعم…
لقد كان يخفي أمراً عن الجميع.
قلت: وما هو؟
تنهّد طويلاً ثم قال:
حين اشتد به المرض قال لي يوماً:
”أريد أن أذهب إلى الإمام الحسين
“
سألته ليدعو لك بالشفاء؟
قال: لا… ثمّ سكتّ قليلاً وأكمل:
”أريد أن أودعّه“
كانت الكلمة ثقيلة عليّ.
ظننته يتحدث من شدة الألم لكنه أعادها مرة أخرى وقال:
لقد تعبت من المرض… وأتعبتُ من حولي أيضاً… ولم أعد أطيق هذا الجسد الذي صار سجناً لي… حتى لو أطلق سراحي.
لا أطلب الشفاء… ولا أريد أن أبقى هكذا.
كل ما أرجوه أن يقبل الإمام زيارتي وأن يشفع لي عند الله وأن يكون هذا آخر عهدي به قبل أن ألقى ربي.
ثمّ نظر إليّ وأمسك بيدي وقال:
”خذني إليه… أريد أن أطلب ذلك بنفسي“
سكت أخوه لحظات ثم أكمل:
لهذا السبب لم يرد أحد ان يدعو له.
كان يعلم أن كل من يحبه سيدعو له بالشفاء.
أما هو… فقد حسم أمره.
كان يريد حسن الختام لا طول البقاء.
وحين عدنا من الزيارة، رأيت السكينة التي غمرته.
قال لي يومها:
”أشعر أن الإمام قد قبل زيارتي… وقضى حاجتي“
ولم تمضِ أيام حتى رحل.
همسة عاشق:
ليس كل من وقف عند الضريح يطلب الشفاء…
فالعاشق لا يخاف من نهاية الطريق…
إنما يخاف أن تنتهي رحلته قبل أن يقول لمحبوبه: جئت أودعك… وأشكرك.













