على سرير المرض يكتب 64 بيتًا من الشعر
المرحوم محمد حسن المعتوق قراءة سوسيولوجية
بلغ سلامي أرض تاروت وانتشقْ
ثرَاها الذي قد فاح منه لنا العطر
لئن فخرت أرض القطيف ببقعةٍ
ففي أرضك النورُ يكون لها الفخر.
بقلم العلامة الشيخ فرج العمران
عندما تُقبل على تلك البقاع ترى جواهرَ قد غطاها بعض التراب، وبصيصُ بريقها يغشاك، حتى تكاد تَخِرّ لعظمة المنظر. هذه البقعة الوحيدة التي لا يَمَلّ الواحد منا عندما يزورها، ويعاود الزيارة والإطلالة. هذه البقعة التي تغريك بالتسبيح والتقديس، وذكر الخالق، وقراءة آيات من الذكر الحكيم.
هذه البقعة التي تضم جميع أحبتنا، وجميع أعدائنا، ومع ذلك فنحن نزورهم وقد أزلنا كل ما لدينا من غِلٍّ، وحقدٍ، وضغينةٍ.
هم ينامون ببساطة، ولا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، فما أحلى أن تنسى، أو تتناسى، ما كان بالأمس مهمًّا، وتغفر لهم إذا كنت تطمح أن يغفر الله لك.
هل تشعر بالخوف إذا دخلت إلى هذا المكان «المقبرة»؟ فهذا المكان لا يخيف. ترى، هل أصبح قلبك قاسيًا أم ماذا؟ عندما تتيقن أن الرجوع هنا، وتتأمل كثيرًا عندما تدخل هذا الصرح، وكيف يمكن أن تكون أنت المحمول على هذه الأعواد بأيدي أحبتك وأصدقائك، فإنك لن تخاف.
شئنا أم أبينا سندخل هذا المكان ساكنين ساكتين، كجميع الداخلين الراحلين، الساكتين الساكنين في هذا المكان. لا شيء مختلف يا صديقي. الحياة تدور وتكرر نفسها ببلادة. لكن هنا، وفي كل بقعة في العالم، يوجد ما يشبهها؛ هناك عظماء يرقدون في هذه البقاع.
هؤلاء هم الذين يبعثون إليك شعورًا بالسعادة عندما تزورهم، وتشعر أنك تزور بستانًا جميلًا، وتشم رياحين، وتتنقل بين الورود، وليس بين الأجداث. يا لهذه الأحاسيس والمشاعر المتلاطمة.
اليوم يدخل كل مواطن قطيفي هذا المكان، ويحمل في ذاكرته عبقًا من أريج، عالم رباني ملائكي وقف إلى جانب الناس وحاجاتهم. إنه المقدس الحجة الشيخ عبد الله المعتوق، رحمه الله تعالى.
نعم، كانت الظروف صعبة جدًّا…
فالناس في زمن المقدس الشيخ المعتوق كان يطاردها أكثر من خطر واحد: الجوع، والمرض، والحرب. لكن المرجع الأعلى الشيخ عبد الله بن معتوق تصرف مع هذا كله بكل هدوء وصبر. «هذا لا ينفي وجود ملاحظات على مسيرة المرجع، إن كانت هناك ملاحظات».
كانت الكفة في هذه البلاد «كما أتصور»، وكما تشير إلى ذلك بعض المصادر والوقائع الاجتماعية، تميل لصالح مدرسة الأخبار في ذلك الوقت. وعلى الرغم من أن المقدس الشيخ عبد الله بن معتوق كان مرجعًا أصوليًّا، إلا أنه لم يدخل في صراع مع أتباع هذه المدرسة، وإنما كان هناك احترام متبادل، خصوصًا مع العالم الرباني القرين إلى الشيخ عبد الله ومعاصره، العلامة الشيخ علي آل موسى «آل حسان»، الذي كان عالمًا حصيفًا وصاحب أخلاق كريمة، وقد أصبح قاضيًا في البحرين ما يقرب من 17 سنة.
فضل المرجع المقدس الشيخ عبد الله المعتوق، رحمه الله عليه، البقاء في جزيرة تاروت مصلحًا بعض أوضاعها الاجتماعية والخدمية. وعلى الرغم من ذلك، فإن جزءًا كبيرًا من أهالي القطيف والبحرين والعراق وبعض سكان إيران كانوا يرجعون إليه في التقليد.
عاش بيننا فقيهًا، ومعلمًا، ومرشدًا، وفيلسوفًا في علوم آل محمد، زاهدًا في هذه الحياة، وأديبًا شاعرًا في مقامات أهل البيت
. رحمة الله عليه، رحمة الأبرار.
تنبع أهمية ال 86 عامًا من وفاة المقدس الشيخ عبد الله المعتوق في أننا بعد 86 عامًا ودعنا ابنه الوجيه المرحوم الحاج محمد حسن آل معتوق.
هذا يعني أن المرجع الشيخ عبد الله المعتوق قد رحل عن ابنه وهو في سن الطفولة. ولقد أشارت بعض المصادر الشفوية والتحريرية إلى أن عمر المرحوم محمد حسن حين وفاة والده كان 12 عامًا، وذكرت مصادر أخرى أن عمره كان 6 سنوات وقت رحيل والده.
عندما أدرك المرحوم محمد حسن المعتوق هذه الحقيقة، وهي أنه يحمل هذا الثقل من ميراث الشيخ عبد الله المعتوق، أتعب نفسه بالدراسة الرسمية، وكذلك الدراسة الدينية على يد علماء البلاد، وتشكلت هذه الشخصية الهادئة الوازنة الحصيفة، التي حملت، إضافةً إلى الحكمة والأخلاق العالية مع الناس، إرادة قوية للعطاء والإصلاح والتمسك بالقيم والأخلاق الكريمة.
كان رحمه الله عليه، إضافةً إلى قدرته الخطابية، يمتلك قدرة مميزة في تقديم الاحتفالات الكبيرة بمناسبة مواليد أهل البيت
، حيث كان يحضر هذه الاحتفالات كبار العلماء والوجهاء وشخصيات البلاد الوازنة.
وكان رحمه الله عليه يقود الاحتفالات الخطابية في استقبال الملوك أو الأمراء أو الوزراء الزائرين لمنطقة القطيف. وقد شاهدت أحد الفيديوهات في اليوتيوب لتغطية الحفل الخطابي الذي أقامه أهالي منطقة القطيف لقدوم جلالة الملك خالد بن عبد العزيز عام 1403 هـ «كما أتصور».
وقد ألقى المرحوم محمد حسن المعتوق قصيدة شعرية ترحيبية بخادم الحرمين الشريفين، نيابة عن الشاعر محمد سعيد الجشي، إضافة إلى أنه كان يقرض الشعر، كما سنوضح لاحقًا في هذا المقال، ناهيك عن الخدمات الاجتماعية الكثيرة التي كان يؤديها داخل مجتمعه في القطيف وتاروت، وكان يصاحب ذلك الصمت والتكتم. وساعده على ذلك شبكة العلاقات الواسعة التي كان يتحلى بها المرحوم على صعيد العلماء والخطباء، وكذلك علاقاته الواسعة مع الشخصيات الرسمية أو ذات المناصب العليا.
كان المرحوم الحاج محمد حسن يرى نفسه معنيًّا بهذا المجتمع؛ فمن ناحية تجده متواصلًا مع شخصيات المجتمع المؤثرة، ومن ناحية أخرى كان يلعب دور المشجع والداعم لخطباء المنبر الحسيني، ويحاول الحفاظ على الطريقة الاعتيادية في قراءة المواليد والوفيات. وكثيرًا ما شوهد الحاج محمد حسن إما قائدًا للعزاء الحسيني، أو مشاركًا فيه.
وفي واحدة من القصص الغريبة التي توضح سجية حرص المرحوم الحاج محمد حسن على الأمور الشرعية، أورد القصة التالية:
تحمست مجموعة من الشباب الخيرين في الديرة بجزيرة تاروت إلى القيام بإضافة أرض توفي صاحبها وليس له وارث يورثه إلى وقف حسينية محمد علي، التي أسسها المرجع المقدس الشيخ عبد الله المعتوق، وصلى فيها لسنوات عديدة. فشاهدهم المرحوم محمد حسن، وكانوا قد قطعوا شوطًا كبيرًا في إنجاز هذا المشروع وضمه إلى الحسينية المذكورة لتكون للخدمات وتدر بعض الأموال لوقف الحسينية، وكان البيت مجاورًا لهذه الحسينية. وبالفعل حصلوا على الإذن، وصاروا يشتغلون في إنشاء هذا المكان الصغير.
عندما رآهم المرحوم محمد حسن المعتوق سألهم عن هدف هذا العمل، ومن أين الشرعية، فأخبروه بالواقع. فاجتمع بهم، وأخبرهم أن إضافة شيء إلى وقف الحسينية يحتاج إلى سماح من المرجعية.
في البداية امتعض الشباب من هذا التعطيل، لكنهم عبروا عن ارتياحهم بعد إحضار الوقفية لهم من المرجعية في النجف الأشرف، في وقت قياسي. وقد قام بكل ذلك المرحوم محمد حسن عبر علاقاته مع علماء النجف والمرجع السيستاني، وقد اتضح لهم مدى العلاقات والقبول الذي كان يتحلى به المرحوم لدى الجهات العلمية والفقهية في النجف الأشرف. وكان يقوم بهذه الأعمال بدون صوت عالٍ ولا طنطنة، وهذه الطريقة تعجب البعض ولا تعجب الآخرين.
يبدو أن المرحوم محمد حسن المعتوق قد وقف شعره على الإمام الحسين
، وأهل البيت، كسجية الشعراء الأسبقين في العالم الشيعي. وحسب ما علمت من بعض خطباء المنبر الحسيني في جزيرة تاروت بأن المرحوم محمد حسن كان يكتب الشعر، ويجهزه قبل شهر محرم الحرام، ويكثر منه ويرسله برسائل خاصة إلى الخطباء والمثقفين من أهالي جزيرة تاروت. كنت أبحث عن بعض أبيات الشعر لأدعم بها مقالي، والحقيقة أنني لم أكن على اطلاع جيد بشعره. ولكن مع بعض الجهد والتواصل، أوصل إليَّ أحد الخطباء المحترمين في جزيرة تاروت «مشكورًا» هذه الوثيقة المكتملة المعالم. «تضم الوثيقة خمس صفحات تتضمن 64 بيتًا من الشعر، إضافة إلى مقدمة وتذييل».
اسم هذه القصيدة: «قاده حزب الشيطان السفهاء أوقدوا الحرب على حزب الرحمن النبلاء».
جاء في مقدمة هذه الوثيقة: «إن الله سبحانه وتعالى وفقني وألهمني البدء في نظم هذه القصيدة الثانية قبيل شهر محرم الحرام لعام 1447 هجري، وأنا على السرير الأبيض أعاني ما أعاني من الأمراض والآلام، كفاني الله سبحانه وتعالى وإياكم وجميع المؤمنين والمؤمنات كل سوء ومكروه». الوثيقة 1.
جاء في التذييل ما نصه: القصيدة «من نظم: محمد حسن بن الحجة المقدس المرجع الديني الكبير آية الله العظمى الشيخ عبد الله بن معتوق آل معتوق القطيفي التاروتي، قدس الله نفسه الزكية، وحشره مع ساداته خير البرية، محمد المصطفى وعترته الطاهرة الزكية، ورحم الله من يقرأ له ولوالديه وذريته وأرحامه المؤمنين والمؤمنات سورتي الفاتحة والتوحيد، والدعاء لناظمها من الله سبحانه وتعالى بالصحة والعافية، وطول العمر، والتوفيق لخير الدارين، إنه سميع كريم مجيب الدعوات، فقد قال سبحانه وتعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ، وهو أصدق القائلين.
وهنا أورد مجموعة من الأبيات مقتطعة من بداية القصيدة:
أوقدوا الحرب قادة السفهاء
لقتال الحسين والنبلاء
وبني هاشم وآل نزار ولؤي
من في سما العلياء
من سما مجدهم على كل مجد
وعلا فضلهم على الفضلاء
قاتلوه بقسوة وعناد وهو
سبط لصفوة الأصفياء
فهم الأقربون لله حقًّا
وهم الأكرمون يوم الجزاء
لم يراعوا ذلكم في حسين بل
تمادوا وشددوا في العداء».
من خلال هذه الإطلالة على هذه الوثيقة يتضح لنا، بشكل أولي، شاعرية المرحوم محمد حسن آل معتوق أولًا «مع ملاحظة أنني أنقل هذا الشعر من وثيقة وصلتني، ولا أقيّمه؛ فالشعر له مختصوه ولست منهم». ولذلك أقول إنه شعر جيد، وأنا من خارج دائرة التخصص، ثم إنه حصر شعره على ذكر الإمام الحسين
، وأهل البيت بشكل عام.
وأن المرحوم كان يستخدم الأسلوب التقليدي في طريقة توزيع الشعر على الخطباء، ومن العجيب، ويكاد يكون إجماعًا من الخطباء، أن شعره كان يكتبه بخط يده، غير أن هذه الوثيقة جاءتني مطبوعة ومنسقة ومرتبة وجاهزة. ونتمنى من أهله ومحبيه العمل على جمع تراثه الأدبي من الشعر، وإخراجه في كتاب يطّلع عليه الجمهور الكريم.














