”قروب“ رقمي للتقبيل
مع انطلاق الفضاء الرقمي، تألق نجم بعض الشباب الأذكياء بسبب استباقهم في تسجيل أسماء نطاقات باسم إحدى الشركات الكبرى لتكون ملكًا لهم. وبالفعل، بعد أن التفتت تلك الشركات المتأخرة إلى تسجيل اسم الشركة في حقل النطاقات الرقمي، دفعت مبالغ كبيرة لشراء اسم النطاق من مالكه المسجل؛ لأنه يطابق اسم النطاق لاسم الشركة. ولذا تألق نجم عالم الدوت كوم «.com»، وجنى منه بعضهم أموالًا طائلة يومذاك. والآن أضحى العالم الرقمي في بعض المجتمعات مصدر تلاسن وتراشق وتهكم وتحطم وتفتت وتنافر بسبب عقول بعضهم المثبطة؛ فسبحان الله، لعقولٍ بناءة وعقول منفرة!
فيما بعد، انتشرت تطبيقات اجتماعية متعددة، وكان لتطبيق «الواتساب» رنين ضخم، وما زال. حتى إنه تفرد في إطلاق تطبيقات متخصصة في الأعمال، ولَقِيَ نجاحات رائعة، وأسس منه بعضهم مداخيل مالية متعددة. حتى إن بعض الأسر المنتجة تحولت حياتها رأسًا على عقب بعد التسويق الرقمي لمنتجاتها. وللباحث عن ذلك نورد له قصص أسر تبيع المجمدات، وورق العنب، وإصلاح الجوالات، والتوصيل من المطارات وإليها.
على نطاق شخصي، أطلقنا مع بعض الأصدقاء مجموعةً «قروب»، وكانت تضم شباب الدراسة في مرحلة معينة، حيث ذكريات أيام بداية الدراسة وأيام الصبا والشباب الجميلة. كانت المجموعة الرقمية في بداية انطلاقها نشطةً وجذابةً، وبلغت الذروة عند تبادل الصور القديمة واستحضار الذكريات اللطيفة، وتُوجت بالدعوة إلى عقد لقاءات والخروج في رحلات. إلا أن تغير أوضاع بعضهم في صحته، أو تدفق السيولة المالية إلى جيبه، أو تبخر مدخراته، أو ذوبان استثماراته، أو توتر علاقاته الأسرية، أخذ ينعكس على تصرفاته وتقلبات مزاجه في مجموعة الأصدقاء، من خلال تعكيره لصفو الأجواء، وخنقه لأي محادثات جميلة، ومن خلال كثرة تذمره وتعليقاته المستفزة ومناكفاته المتكررة وتسفيهه لأي طرح ناهض. فكانت ردة الفعل من الآخرين تتراوح وتتضح يومًا بعد يوم، ما بين نفور بعضهم، والتزام بعضهم الآخر بالصمت المطبق، واعتزال آخرين عن أي مشاركة. ومع تطاول الأيام، وفشل بعضهم في ثني الشخص المناكف عن رسائله السمجة، ذبلت المشاركة في المجموعة؛ حتى أصبحت المجموعة مصداقًا لعبارة: «قروب للتقبيل».
وبعد فترة من الزمن انطفأت آخر المشاركات، واضمحلت المجموعة، وأُسدل الستار عليها للأبد. تكررت القصة ذاتها بسيناريو قليل الاختلاف مع أصدقاء عمل قدامى وأصدقاء رياضة بسبب عقلية بعضهم المناكفة.
الأصدقاء، سواء أصدقاء طفولة أو أصدقاء دراسة أو أصدقاء سفر أو أصدقاء عمل أو أصدقاء ديوانية، هم من تبنوا الجلسة والمجموعة الرقمية لخلق أجواء صحية، ورسم الابتسامة، وصنع أجواء تخفف عنهم التحديات اليومية، وتنزع بعض الهموم من قلوبهم لبعض الوقت. وهم ليسوا أهله حتى يشتكي المتذمر من حياته لهم ليل نهار، ويلومهم على نتاج قراراته الخاطئة؛ فالكل لديه تحديات ومشاكل وهموم بما يكفيه. نعم، الأصدقاء قد يسهمون في تخفيف بعض الجراحات، ويمدون يد العون بعض الأوقات إذا كانت ظروفهم تساعدهم على ذلك، ويكونون عونًا للإنسان في أحلك الظروف إن تهيأت لهم الإمكانات. وليكن كل شخص، حيثما كان ويكون، شمعة مضاءةً لا ظلامًا دامسًا، أو هادمًا للتجمعات واللقاءات. وإلا سيرحل الكل من حول ذلك الشخص المناكف أو المتهكم أو المستهتر أو المتضجر أو السخيف دون إنذار مسبق؛ وحينذاك لن يجد ذلك الإنسان متنفسًا يروّح به عن نفسه، فتزيد آلامه، وتتعقد ظروفه بما صنعته يداه.
يجب أن يُحسن مؤسس أي مجموعة رقمية انتقاء أعضاء المجموعة، ويؤطر قوانين هذه المجموعة قبل إدراج الأعضاء؛ لتكون مثمرةً وزاهرةً، وبعيدةً عن الاحتقانات. فالعاطفة، والنسب، والمشترك العقائدي، والجغرافيا، قد تكون عوامل مساعدة، ولكنها ليست المعايير الوافية لإشعال قصة نجاح واستمرار وقطف ثمار المجموعة الرقمية أو الديوانية الواقعية المرجوة.














