الحلقة الرابعة
زيارة تسع ساعات… من طبيب النفوس إلى سيد الشهداء «4»
بعد أن أنهيا إجراءات الجوازات، خرج حسين وزينب من مطار النجف، وكانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل.
استقبلهما هواءٌ شديد البرودة، اندفع في وجهيهما كصفعةٍ مباغتة. ضمّت زينب معطفها إلى جسدها، وأخفت يديها المرتجفتين في جيبيه، بينما أخذ حسين ينفث في كفيه محاولًا أن يبعث فيهما شيئًا من الدفء.
في الخارج، بدت الساحة مزدحمةً بالحافلات والسيارات الكبيرة والصغيرة، غير أن معظمها كان تابعًا لحملات الزيارة، يحمل أسماء المواكب والوفود، ولا يسمح لغير المسجلين فيها بالصعود.
تنقّل حسين بين المركبات، يسأل هذا وذاك، فيما كانت الريح الباردة تلاحقه بين الحافلات، لكن الإجابة كانت واحدة:
— السيارة محجوزة للحملة.
أخذ القلق يتسلل إلى قلبه. كان الوقت يمضي، والبرد يزداد قسوةً، وزينب تقف خلفه متعبةً، تستند إلى حقيبتها الصغيرة، بينما تبدو على وجهها ملامح الإرهاق الذي تركته الرحلة والمرض.
كانت ترتجف بين حينٍ وآخر، وتحاول أن تخفي ذلك عن أخيها حتى لا تزيد قلقه. ومع ذلك، لم تتذمر، ولم تسأله إلى أين سيذهبان، كأنها كانت مطمئنةً إلى أن اليد التي فتحت لهما باب السفر لن تتركهما في منتصف الطريق.
ظل حسين يبحث طويلًا، حتى لمح سيارة أجرة تقف بعيدًا عن بقية المركبات. أسرع نحوها، وهو يضم سترته إلى جسده اتقاءً للريح، وسأل السائق:
— هل تستطيع أن تأخذنا إلى كربلاء؟
نظر السائق إلى ساعته، ثم رفع بصره إلى حسين وقال:
— الآن؟ الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وغدًا يوم التاسع عشر من صفر. لقد تأخرتما كثيرًا يا أخي... الطريق مزدحم، والدخول إلى كربلاء صعب جدًا.
نظر حسين إلى أخته الواقفة خلفه، وقد لفحت البرودة وجهها الشاحب، ثم قال ببساطةٍ امتزج فيها التعب باليقين:
— نحن لم نتأخر باختيارنا... الإمام الحسين
أعطانا التذكرة بالأمس فقط.
اتسعت عينا السائق، وظل يحدق فيه لحظات، كأنه لم يستوعب ما سمع.
قال:
— ماذا قلت؟
أجابه حسين:
— كما سمعت... الإمام الحسين أعطانا التذكرة بالأمس، ولم نكن نعلم أننا سنأتي إلى العراق.
ما إن سمع السائق عبارته حتى تغيّرت ملامحه، وفتح باب السيارة بسرعة، وقال:
— اصعدا... اصعدا بسرعة. من أعطاه الحسين التذكرة لا يُترك في الطريق.
ركب حسين وزينب، وما إن أُغلق باب السيارة حتى شعرا بشيءٍ من الدفء يعود إلى جسديهما بعد الوقوف الطويل في البرد.
وقبل أن تتحرك السيارة، التفتت زينب إلى السائق وقالت بصوتٍ خافت:
— عفوًا يا أخي... في أي اتجاه يقع حرم أمير المؤمنين
؟
أشار السائق بيده وقال:
— في ذلك الاتجاه.
نظرت زينب نحو الأفق، من خلف زجاج السيارة الذي غطّاه شيءٌ من البخار، ثم قالت برجاء:
— هل تتوقف هنا خمس دقائق؟ نريد أن نزور أمير المؤمنين عن بُعد.
أجابها السائق بلطف:
— كما تشائين.
سكنت السيارة، وسكن معها شيءٌ من ضجيج المكان.
خارجها، كانت الريح تعصف في ساحة المطار، وتحرك الرايات المعلقة على بعض المركبات، أما داخلها فقد اتجه حسين وزينب بقلبيهما نحو المرقد الطاهر، وبدآ يقرآن:
— السَّلامُ عليك يا أميرَ المؤمنين، السَّلامُ عليك يا حبيبَ الله، السَّلامُ عليك يا صفوةَ الله، السَّلامُ عليك يا وليَّ الله، السَّلامُ عليك يا حجَّةَ الله، السَّلامُ عليك يا إمامَ الهدى...
كانت زينب تردد الكلمات ببطء، وعيناها مغمضتان، وكأن دفء الزيارة أخذ يبدد برد الليل من قلبها؛ كأنها لا تزور من بعيد، بل تقف عند الضريح، وتستأذن أبا الحسن في مواصلة الطريق إلى ولده الحسين
.
وحين انتهيا، مسحت دموعها، وهمست:
— يا أمير المؤمنين... نحن في طريقنا إلى الحسين، فكن معنا.
تحركت السيارة من جديد، وانسابت بين طرق النجف المزدحمة.
قال السائق وهو يراقب الطريق:
— الشوارع كما ترون مكتظة، لكنني سآخذكم من طريقٍ آخر. سأحاول أن أوصلكما إلى أقرب نقطة من مدخل كربلاء، لأن السيارات لا يسمح لها بالدخول في هذه الأيام.
قال حسين:
— جزاك الله خيرًا، لكن أرجو أن تكون أقرب نقطة ممكنة... فأختي مريضة بالسرطان، ولا تستطيع المشي مسافات طويلة، ولا سيما في هذا البرد الشديد.
ما إن سمع السائق كلمة ”السرطان“ حتى شهق، والتفت إلى زينب التي كانت مستندةً إلى المقعد الخلفي، تلف معطفها حول جسدها، وقال بحزن:
— ألف لا بأس عليكِ يا أختي.
ثم عاد بنظره إلى الطريق، وأضاف:
— الآن فهمت جزءًا من قصتكما... ولكن اطمئنا، ستجدان عند الإمام الحسين ما جئتما من أجله. لا يعود أحدٌ من بابه خالي القلب.
قال حسين:
— شكرًا لك، جزاك الله خيرًا.
وبعد دقائق، بدأ دفء السيارة يغلب برد الطريق، وغلب التعب زينب، فأسندت رأسها إلى جانب النافذة، وأغمضت عينيها. لم يمضِ وقت طويل حتى دخلت في نومٍ عميق، وكأنها ألقت ما بقي من إرهاقها في الطريق، واطمأنت إلى أن الحسين يتولى البقية.
أما حسين، فظل مستيقظًا، يراقب من النافذة أمواج الزائرين الممتدة على جانبي الطريق.
رجالٌ ونساء، كبارٌ وصغار، يمشون بخطواتٍ متعبة في ذلك الليل القارس. بعضهم لفّ عباءته حول جسده، وبعضهم وضع بطانيةً على كتفيه، وآخرون كانوا يفركون أيديهم من شدة البرد، ومع ذلك كانت وجوههم مفعمةً بالطمأنينة.
بعضهم يحمل رايةً تصارع الريح، وبعضهم يدفع عربةً تقل طفلًا أو مسنًا، وآخرون يرددون الزيارة أو يصلّون على محمد وآل محمد، وكأن حرارة الشوق في صدورهم كانت أقوى من برودة الطريق.
كان كل واحدٍ منهم يسير وكأنه يعرف أن في نهاية الطريق حضنًا ينتظره.
نظر حسين إليهم طويلًا، ثم قال بحسرة:
— يا ليتنا كنا معكم... نمشي ولو خطواتٍ قليلة في طريق الحسين.
سمعه السائق، فقال:
— لكم الأجر والثواب إن شاء الله. النية الصادقة تبلغ بصاحبها ما قد لا تبلغه قدماه.
ثم أضاف بعد لحظات:
— لكنكما ستسيران مسافةً لا بأس بها عند الوصول. لا أستطيع الدخول إلى كربلاء، وسأتوقف عند آخر نقطة تسمح بها الجهات المنظمة.
سأله حسين:
— وهل نجد سيارةً أخرى تنقلنا من هناك؟
هز السائق رأسه وقال:
— ربما تجدون، لكن الأمر في هذه الليلة صعب جدًا. الطريق مزدحم، والمركبات محدودة، والبرد شديد، والمشي هو الوسيلة الوحيدة لمعظم الزائرين.
نظر حسين إلى أخته النائمة، ثم إلى الطريق الطويل أمامه، ورأى على زجاج النافذة بخار أنفاسها، فشعر بثقل المسؤولية يهبط على قلبه.
كيف ستسير زينب وهي بالكاد تحتمل خطواتٍ قليلة؟
وكيف سيعبر بها هذا الزحام وسط هذا البرد القارس؟
ظل صامتًا، ثم رفع عينيه إلى السماء، وقال في سره:
— يا حسين... أنت الذي دعوتها، فلا تتركها عند آخر الطريق.
وفي تلك اللحظة، فتحت زينب عينيها قليلًا، وكأنها سمعت دعاءه، ثم قالت بصوتٍ غلبه النعاس:
— لا تخف يا أخي... من أوصلنا إلى هنا، سيوصلنا إليه.
ثم أغمضت عينيها من جديد.
واصلت السيارة طريقها نحو كربلاء، وبين حينٍ وآخر كانت تلوح من بعيد أضواء المواكب والرايات السوداء، تتمايل تحت ضربات الريح، حتى بدا الطريق كله وكأنه نهرٌ من الأرواح يسير في ليلٍ بارد نحو قبلةٍ واحدة.
أما حسين، فظل ينظر أمامه، ينتظر اللحظة التي ستتوقف فيها السيارة، ويبدأ معها الامتحان الأصعب:
كيف سيصل بأخته إلى باب الحسين، وسط الزحام والبرد وطول الطريق؟
للقصة بقية...













