صفيح ساخن
في لحظةٍ ما من العمر، تتوقف الأقدام عن الركض، لا لأن الماراثون انتهى، بل لأن الأرض تحتها استحالت صفيحاً ساخناً.
إنه ذلك الشعور الشديد الذي يحاصرك حين تجد نفسك فجأة في منتصف الطريق، بين خيارين لا ثالث لهما: إما أن تتجمد خوفاً وتحترق ببطء في مكانك، أو أن تقفز بشجاعة نحو المجهول، لتُعيد تعريف من تكون.
كيف وصلنا إلى هنا؟!
لم يكن الصفيح ساخناً منذ البداية، لقد بدأ بقطرات صغيرة من التأجيل، بمهادنة الظروف، وبالبقاء في منطقة الراحة حتى تبخرت كل المسكنات. وفجأة، ارتفعت الحرارة!
تلك هي الحبكة الحقيقية للحياة لا أحد يتغير وهو ينعم بالهدوء الكاذب. نحن لا نكتشف معادننا الحقيقية إلا حين تصبح الخيارات المريحة غير متاحة. الحرارة ليست عقاباً، بل هي المنبه الأخير الذي يصرخ فيك: لقد حان وقت النمو.
كما قال أبو الطيب المتنبي:
إذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُومِ... فَلا تَقْنَعْ بِما دُونَ النُّجُومِ.
وكما قال احد الفلاسفة:
ما لا يقتلني، يجعلني أقوى.
وكما يذكرنا جبران خليل جبران بلطفه المعهود:
الألم هو تكسُر القشرة التي تغلف فهمك.
هذا اللهيب ليس لإحراقك، بل لتكسير تلك القشرة القاسية ليخرج منها إنسانٌ جديد، أكثر وعياً، وجرأة، ونضجاً.
إذا وجدتَ نفسك اليوم تقف على صفيحٍ ساخن، سواء في قرارٍ مصيري، أو تجربة شاقة، أو تحول كبير، فلا تلعن الحرارة، ولا تتأسف على الراحة التي مضت. اشكر هذا اللهيب، لأنه الدليل الأوضح على أنك على قيد الحياة، وأن روحك تُصقل الآن لتلائم مرحلتك القادمة.
الآن:
ارفع رأسك، خذ نفساً عميقاً، واجعل من هذه الحرارة الوقود الذي يدفع قفزتك المقبلة. فالسماء لا تمنح المجد للواقفين في الظل، بل للذين تجرؤوا على المشي على الجمر حتى وصلوا إلى الضفة الأخرى.













