القبول الموحد وماذا بعد السنة الأولى
مع إعلان نتائج القبول الجامعي عبر منصة «قبول»، عاد الحديث مجددًا عن تجربة القبول الموحد، ولكن هذه المرة من زاوية مختلفة. ففي العام الماضي، وتحديدًا مع انطلاق المنصة لأول مرة في عام 2025، شهدت التجربة عددًا من التحديات الطبيعية التي تصاحب عادة إطلاق أي مشروع وطني جديد، سواء من حيث الاستفسارات المتكررة أو بعض الملاحظات التقنية والإجرائية التي تداولها الطلاب وأولياء الأمور. ولم يكن ذلك مستغربًا، فكل نظام جديد يحتاج إلى وقت حتى يستقر ويتطور.
لكننا اليوم لسنا في السنة الأولى، بل في السنة الثانية من تجربة القبول الموحد، وهنا يصبح السؤال مختلفًا: ماذا كان ينبغي أن يحدث بعد عام كامل من التجربة؟
من الطبيعي أن نتوقع أن تكون الأنظمة التقنية أكثر نضجًا، وأن تكون الإجراءات أكثر وضوحًا، لكن الأهم من ذلك كله أن يكون الطالب نفسه أكثر استعدادًا. ومع ذلك، لا نزال نشاهد التقارير الصحفية التي تجمع أكثر الأسئلة تكرارًا حول القبول، ولا تزال الاستفسارات تدور حول ترتيب الرغبات، وتأكيد القبول، والفرص المتبقية، وآلية المفاضلة، وغيرها من التفاصيل التي يفترض أن تكون واضحة قبل بدء موسم القبول.
وهنا لا أتحدث عن وجود خلل في المنصة، فليس هناك ما يثبت وجود أزمة تقنية عامة هذا العام، وإنما أتحدث عن سؤال أكبر: لماذا لا تزال الأسئلة نفسها تتكرر في السنة الثانية؟
إذا كنا قد اعتبرنا ما حدث في 2025 جزءًا طبيعيًا من مرحلة الإطلاق، فمن المنطقي أن يكون عام 2026 هو عام ترسيخ المعرفة لدى الطالب، لا مجرد تحسين النظام التقني. فالمنصة مهما بلغت جودتها لن تحقق أهدافها إذا كان مستخدمها لا يعرف كيف يتعامل معها أو متى يتخذ قراره أو ماذا تعني خياراته.
لذلك، أعتقد أن الوقت قد حان لطرح أسئلة تطويرية تستحق النقاش. هل أُعدت برامج توعوية داخل المدارس الثانوية قبل بدء موسم القبول، وهل حصل جميع المرشدين الطلابيين على تدريب متخصص في آلية القبول الموحد حتى يصبحوا المرجع الأول للطلاب، وهل عُقدت لقاءات تعريفية لأولياء الأمور، وهم شركاء في اتخاذ القرار الجامعي، وهل جرى تعريف الطلاب بالمنصة عمليًا قبل فتح باب التقديم، أم إن كثيرًا منهم تعرّف إليها لأول مرة أثناء فترة القبول؟
هذه الأسئلة ليست انتقادًا لوزارة التعليم أو لمنصة «قبول»، بل هي جزء من أي مشروع تطويري ناجح. فالتجارب الدولية في أنظمة القبول لا تعتمد على إطلاق منصة إلكترونية فقط، وإنما تبني منظومة متكاملة تبدأ داخل المدرسة، حيث يتعرف الطالب على خطوات القبول قبل أشهر من بدء التقديم، ويتدرب عليها، ويعرف كيف يرتب رغباته، وما معنى المفاضلة، وكيف يتخذ قراره بثقة.
ولو تحقق ذلك، فمن الطبيعي أن تنخفض الأسئلة عامًا بعد عام، وأن يتحول موسم القبول من موسم ارتباك إلى موسم قرارات مدروسة. أما إذا بقيت الأسئلة الأساسية تتكرر في كل عام، فهذا يعني أن جانب التوعية لا يزال يحتاج إلى مزيد من العمل.
لقد نجحت المملكة في تنفيذ مشاريع رقمية كبرى أثبتت كفاءتها، ولا شك أن «قبول» مشروع وطني مهم يسير في الاتجاه الصحيح. لكن نجاحه الحقيقي لن يقاس فقط بسرعة المنصة أو عدد الطلبات التي تعالجها، بل سيقاس أيضًا بمدى جاهزية الطالب قبل أن يضغط زر «تأكيد القبول». فالتقنية وحدها لا تصنع تجربة ناجحة، وإنما يصنعها مستخدم يعرف تمامًا ماذا يفعل، ولماذا يفعله، ومتى يتخذه. وهذا، في تقديري، هو التحدي الحقيقي الذي ينبغي أن يكون عنوان المرحلة المقبلة.













