منظومة التكامل الحديث
سأبدأ من حيث توقفت، النظرية العميقة «عقلنة العمل والتنظيم»: حتى في الإمبراطورية الإسلامية وتوسعها الهائل، باعتقادي كانت هناك منظومة لعقلنة العمل والتنظيم. فقرار الدخول في غزواتٍ وحروبٍ مصيرية، وتضحياتٍ لا حدود لها، لم يأتِ من فراغ، بل كان على حساب إبقاء هذا الدين عظيمًا يرفرف في كل مكان وزمان.
والدليل على هذا، عندما أزور إحدى الدول الغربية الكبرى، رغم قوتهم وصناعتهم وغطرستهم… ألاحظ في أماكن عامة ومتعددة، المداومة على قراءة كيفية نشأة الإمبراطورية الإسلامية ووصولها إلى بلدان عديدة، رغم أن الأحداث تجاوزت أكثر من 1,400 سنة.
الحقيقة التي لا جدال فيها أنَّ الرسول ﷺ، يُعَدُّ المحرِّر الأوَّل للعبيد، وبعد مرور أكثر من ألف سنة والعصور، استخدمها العالم بأشكال متعددة، وأغراض إنسانية، وأهداف نبيلة، ثم تحولت إلى استغلال وأنانية وأغراض بعيدة كل البعد عن الإنسانية.
ولذلك، اتخذ الرسول الأعظم ﷺ خطوات عديدة نحو إلغاء العبودية، فوضع مبدأين مهمَّيْن لإلغاء العبودية والرِّق، هما: تضييق الروافد التي كانت تمدُّه وتُغَذِّيه وتضمن له البقاء، وتوسيع المنافذ التي تؤدِّي إلى العتق والتحرُّر.
لفت انتباهي مبدأ الاسترقاق في الحرب، والتي تستحق الوقوف عندها والتأمل فيها؛ إذ وضع نظامًا للأسرى لم يُعرف من قبل إلاَّ في الإسلام، فاشترط لاعتبار الأسرى أرقَّاء أن يَضْرِب الإمامُ عليهم الرقَّ، وقبل أن يضرب الإمام عليهم الرقَّ يمكن أن تتمَّ نحوهم التصرُّفات التالية: تبادل الأسرى، وذلك بِرَدِّ عدد من الأسرى مقابل عدد من أسرى المسلمين، أو قَبُول الفداء، وذلك بإطلاقهم مقابل عوضٍ مادِّيٍّ أو أدبي، كما فعل الرسول في أسرى بدر، فأطلق بعضهم مقابل مال، وجعل إطلاق بعضهم نظير تعليمهم لبعض المسلمين القراءة والكتابة.
حقًّا، إنه دين عظيم، فأصبح مبدأ الاسترقاق في الحرب ليس مجرد أسرى وحرب، بل أصبحت منظومةً تكامليةً بعيدةَ الأثر لصالح الإنسانية والعلم والتوسع، حتى وصل إلى تكامل الإمبراطورية الإسلامية التي يُحسب لها ألف حساب.
وإذا انتقلنا إلى العصر الحديث، على سبيل المثال في قارة أوروبا: تتمتع أوروبا بتاريخ طويل من الصراعات الداخلية الحادة، حيث شهدت مئات الحروب على مدار الألفية الماضية، أكثر من 150 حربًا عبر مختلف العصور، مدفوعةً بتغيرات السلالات الملكية، والنزاعات الإقليمية، والانقسامات الدينية، قبل أن تتجه نحو التكامل الحديث.
فالتكامل الحديث لا يعني بالضرورة الفهم العميق، بل الخروج من دائرة الصراعات الدموية والكراهية. ورغم وجود خلافات جانبية عديدة، وخروج بعضهم من الاتحاد الأوروبي، لا تزال عقلنة العمل والتنظيم قائمة، والمصالح السياسية والاقتصادية الغربية متماسكة ضد أي هجوم على مبدئها واستراتيجياتها الأساسية المرتبطة بمصالحها ووجودها. فعلى سبيل المثال:
أولًا، منظمة الأمن والتعاون في أوروبا «OSCE» The Organization for Security and Co-operation in Europe هي منظمة حكومية دولية عابرة للأطلسي، تهدف إلى ضمان الاستقرار في أوروبا. تأسست باسم مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا «CSCE» في يوليو 1973، ثم تحولت إلى شكلها الحالي في يناير 1995. تضم منظمة الأمن والتعاون في أوروبا 56 دولةً عضوًا، تغطي معظم نصف الكرة الشمالي. وتركز أنشطة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا على ثلاثة محاور رئيسية، هي: البعد السياسي العسكري، والبعد الاقتصادي والبيئي، والبعد الإنساني. وتعمل هذه المحاور على تعزيز ما يلي على التوالي: آليات منع النزاعات وحلها، والرصد والإنذار وتقديم المساعدة في حالات التهديدات الاقتصادية والبيئية، والاحترام الكامل لحقوق الإنسان والحريات الأساسية.
ثانيًا، الرابطة الأوروبية للتجارة الحرة «EFTA» The European Free Trade Association هي تكتل تجاري أوروبي تأسس في 3 مايو 1960 كبديل للدول الأوروبية التي لم تنضم إلى السوق الأوروبية المشتركة «EEC». تضم الرابطة حاليًا أربع دول أعضاء: أيسلندا، والنرويج، وسويسرا، وليختنشتاين، والنرويج وسويسرا فقط هما العضوان المؤسسان. وبعد هذا التاريخ حدث الكثير من الانسحابات والتعديلات وخروج دول حتى استقر الوضع على شكله الحالي.
فلو أمعنا النظر قليلًا، نلاحظ أن التعاون الأمني متماسك فيما بينها في أغلب الدول الأوروبية، وهذا هو الأهم لمتابعة التنمية دون أي تهديدات خارجية مؤثرة. وبالمقابل تعثَّر مشروع الرابطة الأوروبية للتجارة الحرة.
فمعظم الدول تتحرك لمصالحها فقط، ولذلك يجب علينا الاتحاد، وقد أصدرت في بداية عام 2026 كتابًا يحث على الاتحاد العاجل، بعنوان: «الاتحاد قبل غروب الشمس 3 + 7 والمسارعة في تبني منظومة الأمن والتعاون الإسلامي بأسرع وقت». نعم، منظومة عقلنة العمل والتنظيم.
سوف أكرر الجملة التالية مرةً ومرتين وملايين المرات: «الدين الإسلامي دينٌ عظيم». سوف أضرب مثالًا قد لا يعرفه أو يتداوله الكثير من الناس:
تُعَدُّ إندونيسيا أكبر دولة أرخبيلية في العالم، ورابع أكبر دولة في عدد السكان بما يزيد على 285 مليون نسمة، وأكبر دولة ذات غالبية مسلمة. وهي إحدى اقتصادات الأسواق الناشئة في العالم، وأكبرها في جنوب شرق آسيا. وبصفتها دولة ذات دخل متوسط مرتفع وعضوًا في مجموعة العشرين، تُصنف إندونيسيا كدولة حديثة التصنيع. تحتل إندونيسيا المرتبة السابعة عشرة عالميًا من حيث الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، وهو حوالي 1.51 تريليون دولار أمريكي، وهو أكبر، على ما أعتقد، من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة العربية السعودية، والسابعة من حيث الناتج المحلي الإجمالي.
في عام 2025، احتلت إندونيسيا المرتبة الثالثة عشرة من بين 145 دولة على مستوى العالم في القوة العسكرية وفقًا لمؤشر القوة النارية العالمي، حيث بلغ مؤشرها 0.2557. وبهذا المركز، أصبحت إندونيسيا القوة العسكرية الأولى في جنوب شرق آسيا «آسيان»، متفوقةً على دول إقليمية أخرى مثل فيتنام «المرتبة 23» وتايلاند «المرتبة 25». وهناك الكثير من القدرات الهائلة والكامنة في جميع الدول الإسلامية.
فهي عضو في أكبر المنظمات بالعالم، وهي منظمة التعاون الإسلامي، التي تضم 57 دولة في أربع قارات، تأسست عام 1969، وتعد ثاني أكبر منظمة حكومية دولية بعد الأمم المتحدة.
لذلك، فإن منظومة العمل الحديث المدعومة بعقلنة العمل والتنظيم مطلب ملح ومهم في ظل تسارع العالم، وبناء حاجزٍ لوقف وردع أطماع بعض الدول، وفي مقدمتها الاحتلال الإسرائيلي ومن يدعمها، ضد السلام والتنمية العالميين.













