الحلقة الثالثة
زيارة تسع ساعات... من طبيب النفوس إلى سيد الشهداء «3»
في صباح اليوم التالي، كان حسين يراقب أخته زينب من بعيد. بدت ملامح الراحة واضحةً على وجهها، وكأن شيئًا من السكينة التي وجدتها عند الإمام الرضا
قد بقي معها، واستقر في عينيها ونبرة صوتها.
اقترب منها وسألها بلطف:
— كيف حالك اليوم يا أختي؟
ابتسمت زينب، وقالت:
— الحمد لله يا أخي... أشعر براحةٍ لم أشعر بها منذ زمن.
ثم تنهدت، وأضافت بصوتٍ اختلط فيه الألم بالامتنان:
— تبًّا لتلك العلاجات الكيماوية التي تسلب الإنسان راحته، وتتركه مثقلًا بالتعب. في كل مرة أخرج فيها من جرعة العلاج، أشعر بإرهاقٍ لا يوصف، ونفسيةٍ محطمة، وكأن الحياة كلها تضيق من حولي.
سكتت لحظة، ثم أشرق وجهها قليلًا، وقالت:
— أما هنا، فأشعر براحةٍ وطمأنينة... كأن شيئًا في داخلي قد هدأ. ليتنا نبقى أطول مدةٍ ممكنة.
جلس حسين إلى جوارها، وقال:
— بقي لنا أربعة أيام. ما رأيك أن نذهب غدًا لزيارة السيدة فاطمة المعصومة
؟
تهلل وجه زينب، وقالت بشوق:
— نعم... هذا ما أريده فعلًا. كم أنا مشتاقةٌ لزيارتها!
قال حسين:
— إذن، بعد أن ننتهي من زيارة اليوم، نذهب إلى مكتب السفريات. نحجز رحلةً إلى طهران، ثم نكمل الطريق بالسيارة إلى قم. ما رأيك؟
أجابته زينب بثقة:
— توكلنا على الله.
في عصر ذلك اليوم، وبعد أن ودّعا الحرم الرضوي على أمل العودة إليه، توجها إلى أحد مكاتب السفريات.
ما إن دخلا حتى استقبلتهما الموظفة بعبارات ترحيبٍ باللغة الفارسية. جلسا أمامها، وكان حسين يستعد ليشرح لها رغبتهما في السفر إلى طهران.
لكن الموظفة نظرت إليهما، وقالت كلمةً واحدة:
— نجف؟
ترددت الكلمة في المكان على نحوٍ غريب:
نجف...
توقفت أنفاس زينب لحظة، بينما نظر حسين إلى الموظفة متعجبًا، وسألها:
— ماذا تقصدين؟
أجابته بعربيةٍ متكسرة:
— سفر إلى النجف... هل تريدان رحلةً إلى النجف؟
نظر حسين إلى أخته.
كانت عيناها قد امتلأتا بالدموع، وكأن الكلمة لم تصل إلى أذنيها فقط، بل وصلت مباشرةً إلى قلبها.
همست بصوتٍ متحشرج:
— ماذا نسمع يا حسين؟ النجف؟
ثم انحدرت دمعةٌ على خدها، وقالت:
— هذه تذكرة... لا تردّها يا أخي.
اغرورقت عينا حسين بالدموع. حاول أن يتماسك، لكن هيبة اللحظة غلبته.
نظرت الموظفة إليهما متعجبة، وسألتهما بالفارسية عن سبب بكائهما.
مسح حسين دموعه، ثم قال:
— نعم... نريد السفر إلى النجف. متى الرحلة؟
أجابت الموظفة:
— لا توجد رحلات على الخطوط الجوية العادية. توجد فقط رحلة هذا المساء على طيرانٍ خاص، في الساعة العاشرة ليلًا.
ثم تابعت:
— ولكن رحلة العودة غدًا عند الساعة الواحدة ظهرًا. هل يناسبكما ذلك؟
تردد حسين قليلًا.
نظر إلى أخته، ثم قال:
— الوقت ضيق جدًا. هل نستطيع أن نزور ونعود في هذه المدة؟ وغدًا التاسع عشر من صفر، والزحام سيكون شديدًا.
لم تتردد زينب.
قالت بإصرارٍ يملؤه اليقين:
— نعم، نستطيع.
ثم أمسكت بيده، وأضافت برجاء:
— هذه تذكرةٌ من الإمام الحسين
... لا تردّها يا أخي، أرجوك.
ظل حسين ينظر إليها. كان يرى في عينيها ذلك الشوق القديم نفسه الذي بدأت به الرحلة، حين كانت تمسك صورة كربلاء وتبكي.
لكن كربلاء التي بدت يومها بعيدةً وصعبة الوصول، كانت الآن تمد إليهما طريقًا لم يخططا له.
التفت حسين إلى الموظفة، وقال:
— توكلنا على الله... أكملي الحجز.
ذكرت الموظفة سعر التذكرتين.
نظر حسين إلى أخته، وكأنه ينتظر رأيها.
هزّت زينب رأسها بهدوء، وكانت نظرتها تقول له من غير كلام:
— لا تقل إن التذكرة غالية... فزيارة الحسين تستحق أن ندفع من أجلها كل ما نملك.
تم إصدار التذكرتين.
خرجا من المكتب، وهما لا يكادان يصدقان ما جرى. دخلا يريدان السفر إلى قم، فخرجا بتذكرتين إلى النجف.
قال حسين وهو ينظر إلى أوراق الحجز:
— كأن الأمور تسير وفق خطةٍ لم نرسمها نحن.
ابتسمت زينب، وقالت:
— لأن صاحب الدعوة هو الذي يرسم الطريق.
عجّلا بالعودة إلى الفندق، وأعدّا حقائبهما على عجل، ثم توجها إلى المطار.
كانت الخطوات تتلاحق، والوقت يمضي سريعًا، لكن شيئًا في داخلهما كان مطمئنًا؛ فكل بابٍ كان يُفتح في اللحظة المناسبة، وكل طريقٍ كان يُمهَّد لهما قبل أن يسألا عنه.
وحين صعدا إلى الطائرة، جلست زينب قرب النافذة، وأخذت تتأمل أضواء مشهد وهي تبتعد.
وضعت يدها على قلبها، وهمست:
— يا إمام الرضا... جئتك متعبةً، فطمأنت قلبي، ثم فتحت لي طريق الحسين.
لم تمضِ دقائق حتى غلبها النعاس.
أغمضت عينيها، ونامت نومًا هادئًا؛ نومَ من أيقن أن الإمام الحسين
قد استضافه، وأن كربلاء التي كانت قبل أيام صورةً بين يديها، أصبحت الآن أقرب من أي وقتٍ مضى.
وبعد مدة، استيقظت على صوت المضيفة وهي تقول:
— الحمد لله على السلامة... وصلنا إلى النجف.
فتحت زينب عينيها، ونظرت إلى حسين.
لم يقولا شيئًا.
كانت الدموع وحدها تكفي.
لقد وصلا إلى النجف...
ومن هناك، كان طريق الحسين ينتظرهما.
للقصة بقية...













