آخر تحديث: 27 / 7 / 2026م - 12:30 ص

حين اطمأنت النفس «8»

أنفاس المعرفة في الصحيفة السجادية

محراب العبادة محطة إيمانية تلقي بظلال الطمأنينة والهدوء النفسي في وسط ضجيج الحياة، وذلك أن القلق من الحياة المستقبلية أو تبعات وآثار الخطى في المرحلة الماضية يقف عند حدّه الطبيعي والمقبول، عندما ينظر الإنسان بعين الثقة بالتدبير الإلهي حتى في أحلك ظروفه الصعبة، فلا يراها سوى محطات ابتلاء لطاقته الإيمانية ومدى ثباته على قيمه دون أن ينهار أو يسقط أرضا، تلك القوة الروحية والنفسية هي من ثِمار ونتاج المضامين العالية للمناجاة والوقوف بين يدي الله عز وجل، وهذا ما يفتح الباب أمام معرفة حقيقة الدعاء ودوره في إدارة حياة الإنسان ورسم معالم منهجيته وسلوكياته، فالدعاء ليس مجرد محطة ووسيلة لطلب الحوائج، بل هو باب معرفي يستقي منه المرء دروسا متكاملة لبناء العقل والقلب معا، ففي الصحيفة السجادية يتحول الدعاء من مجرد طلب للعطاء إلى معرفة بالله تعالى، إذ يتعلم الإنسان من خلاله أسماء الله وصفاته وسبل تجسيدها في السلوك العملي كالرحمة والتسامح، ويفهم سننه عز وجل في الخلق وتدبير شؤونهم وتلوّن محطات حياتهم بالبلاء والآلام، ويكتشف حقيقة نفسه وحدود فقرها المطلق إلى ربها، بما يخلّصه من ربقة تكبّر النفس وشعورها بالاستغناء عن التدبير الإلهي بسبب امتلاك بعض القدرات والإمكانيات.

ولهذا جاءت أدعية الإمام السجاد زاخرة بالمضامين العقدية والأخلاقية والتربوية التي تصنع معالم شخصية الإنسان وطريق تكامله وحفظه من السقوط في بؤرة النقائص والعيوب، حتى غدت موسوعة معرفية بلسان المناجاة بما تحمله من قيم يصل إلى معانيها وحدودها، فالداعي في مدرسة الإمام السجاد لا يكتفي بأن يسأل بل يتأمل ويتمعّن في تلك الكلمات النورانية وما تدعو إليه من توجيهات وإرشادات، ولا يقتصر على الرجاء بل يزداد بصيرة بربه ورسالة وجوده القائمة على العمل المثابر المستنير بالمعارف والمفاهيم الحقة، والتي يستقيها من تلك الأدعية بما تمثّله من موسوعة جامعة، فمنهجية الدعاء وسيلة لتزكية النفس وتطهيرها من الرذائل الأخلاقية وطرق الوقاية الأخلاقية منها، وتصحيح الرؤية في الحياة وطريقة التفكير وفق الحكمة والنظر في عواقب وآثار كل خطوة يقدم عليها، وخصوصا إذا ما تظافر ذلك مع محاسبة النفس وتغذية العقل بالمراجعة الذاتية لاكتشاف الأخطاء وأوجه التقصير، فإحياء الضمير وتوظيفه في تقييم كل كلمة أو سلوك صادر منه يسانده في طريق الاستقامة ونزاهة النفس، وهذا ما يأخذ بالداعي في تفكيره نحو أفق الغاية الكبرى من حياته والدور المناط به، بما يتناسب مع التخطيط الإلهي له في إعمار الأرض بعمل الخيرات وصنع المعروف ورسم معالم الكلمة الهادفة والصادقة.

الدعاء يهذّب الأخلاق وينقّيها من شوائب الأهواء والأفعال الصادرة عن انفعال شديد أو عاطفة عمياء، ويبني الإنسان من الداخل بتلك القيم والإنارات الروحية والإشراقات المعرفية في الأدعية، وهكذا يصبح الدعاء مدرسة للوعي ومنهجا للتوحيد، ولسانا يربي الإنسان ويعلي شأنه بالسلوكيات التي تترفّع به عن وحل الآفات الأخلاقية.