آخر تحديث: 25 / 7 / 2026م - 9:51 م

فضيلة الصمت: الانتصار الذي لا يراه أحد

سراج علي أبو السعود *

من النادر أن يندم الإنسان على صمته في موقفٍ ما، لكنه كثيرًا ما يندم على كلمةٍ قالها ثم كشف له قادم الأيام أنها لم تكن تستحق أن تُقال. والحقيقة أن الصمت ليس مجرد امتناع عن الكلام، بل هو قدرة على ضبط النفس، وانتصار خفي على اندفاعها. وإذا كان الصمت في الماضي يعني كفَّ اللسان، فإنه اليوم يتسع ليشمل كفَّ القلم والواتساب والفيسبوك وغيرها عن الكتابة والتعليق وإعادة النشر. وتنبع أهمية هذه الفضيلة، برأيي، من ثلاثة أمور: مقاومة المغالطات التي تتكرر حتى تستقر في الأذهان وكأنها حقائق، والتثبت من الأخبار والادعاءات في زمن يسهل فيه تزييف المحتوى، والإعراض عما لا ينفع مما يستهلك الوقت ولا يضيف علمًا ولا خلقًا. ولعل الإمام علي أوجز هذه المعاني كلها فيما رُوي عنه: «إذا تمَّ العقل نقصَ الكلام».

دعني أزعم، سيدي القارئ، أنني أفتش كل صباح عن رسالة تستحق القراءة فلا أجدها في الغالب، وأبحث في وسائل التواصل الاجتماعي عن حوار أو مادة مرئية تضيف إلى معرفتي شيئًا جديدًا، فلا أظفر إلا بالقليل. وأحسب أن السبب يكمن فيما يمكن تسميته بالإغراق المعلوماتي؛ ذلك السيل المتدفق من المقاطع والحوارات والرسائل الذي يوهم بغزارة المعرفة، بينما لا يعدو كثيرٌ منه أن يكون تبادلًا للتحايا بعبارات مختلفة أكثر من كونه تبادلًا للمعرفة. أما المجالس والمنتديات، فالغالب أن كل واحد يريد أن يتحدث ويدلي بدلوه، ويقل من يحسن فضيلة الصمت. والصمت هنا لا يعني السكوت، بل حسن الإنصات، والتأمل فيما يُقال، والتثبت من دليله، ثم اختيار ما يستحق أن يُتبنى ليكون لبنة في بناء ثقافة الإنسان. وأما في وسائل التواصل الاجتماعي، فإن الصمت يأخذ معنى آخر؛ وهو تجاوز المحتوى الذي يخلو من الدليل، والكف عن التعليق عليه أو إعادة نشره حتى تثبت صحته.

في أحد المقاهي، تحلَّق عددٌ من الصبية حول شاب يتحدث في الرياضة، ثم في الدين والأخلاق، وكأنه خبير بكل ما يتحدث فيه. كانت رؤوسهم تميل نحوه مع كل جملة، وقد ارتسمت على وجوههم ملامح الإعجاب والدهشة. لكن ما لفت انتباهي لم يكن كثرة ما قال، بل سهولة حديثه في كل شيء. فحين يغيب عن الإنسان خُلُق الصمت، بمعنى الوقوف عند حدود ما لا يعلم، يصبح الكلام عادة، وتغدو الجرأة على إبداء الرأي فضيلةً في نظر صاحبها، وإن افتقرت إلى الدليل. ولو أنه انتصر على رغبته في الحديث عما لا يعلم، لكان ذلك انتصارًا أعظم من إعجاب الحاضرين به. وهكذا تتشكل الثقافة العامة؛ لا من الحقائق الراسخة، بل من كلمات يرددها الناس حتى تلبس ثوب الحقيقة. لذلك، حين تستيقظ، قارئي العزيز، متفائلًا بأن تجد ما يثري معرفتك، قد تصاب بخيبة أمل؛ ليس لأن الخير مفقود، بل لأن الضجيج أصبح أعلى صوتًا من المعرفة، وأعلى صوتًا من الصمت الذي يسبق الكلمة المسؤولة. ولعل أعظم ما نفتقده اليوم ليس كثرة المتحدثين، بل كثرة الذين يعرفون متى يصمتون؛ فذلك هو الانتصار الذي لا يراه أحد.