ضوء رحمة في عالم يزداد عتمة
كثيرًا ما يتصل الإنسان بقريبه ليطمئن عليه، فيسمع جوابًا محفوظًا: «آمرني»، وكأن صلة الرحم لا تُستحق إلا عند الحاجة، بل إن بعضهم إذا قُدِّم له اعتذارٌ قابله بالاستخفاف قائلًا: «وفي أي بنك نصرِف هذا الاعتذار؟»، في إشارة إلى أن ما لا يُقاس بالمال لا وزن له في ميزانهم.
ومع هذا التراجع في الذوق الاجتماعي، تغدو الماديةُ هي الحاكمة في تفاصيل الحياة، حتى كأن الرحمة والتراحم صارا استثناءً بعد أن كانا أصلًا راسخًا في العلاقات الإنسانية، غير أنني علمتُ مصادفةً بما يبدّد هذا الانطباع؛ إذ بلغني أن الأستاذ حسين الشبيب تبرّع لجواد الناصر صاحبِ الستةِ أعوام [1] تبرعًا خالصًا لوجه الله تعالى، من غير صلة قرابة ولا منفعة تُرتجى، وقد أقدم على هذه الخطوة المباركة بعد مشاورة حرمه المصون وأولاده، فشجّعوه ولم يثبّطوه قيد أنملة، ثم مضى في إجراءات التبرع الحكومية الطويلة والدقيقة التي لا تُجيز العملية إلا بعد التثبّت التام من سلامتها، وكل ذلك بدافعٍ إنسانيٍّ صرف لا تشوبه أي مصلحة.
ولم يقف عطاؤه عند هذا الحد؛ فالأستاذ حسين الشبيب يدير حسابًا في وسائل التواصل الاجتماعي يحثّ فيه على التبرع بالأعضاء [2] ، ولا سيما الكُلى، ويتلقّى اتصالاتٍ دوليةً يستشيره أصحابها في تبعات العملية وآثارها الصحية، لما لمسوا فيه من صدق التجربة ونقاء الدافع، عندها قلت في نفسي.. حقًّا لا تزال الدنيا بخير؛ فلو غلبت النظرةُ الماديةُ على كل شيء لما بقي أمثال الأستاذ حسين الشبيب، من أصحاب الروح الملائكية الذين يُجيدون تجسيد معنى قوله تعالى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [3] .
وشهادتي في أسرة الشبيب في أمِّ الحمام الحبيبة شهادةٌ مجروحة؛ فهي حقًّا أسرةٌ طيبةٌ نجيبة، فمنها سماحة الشيخان الكريمان الشيخ عبداللطيف الشبيب [4] والشيخ غازي الشبيب [5] الغنيّان عن التعريف، والمثقّف الأستاذ كاظم الشبيب [6] ، والمربّي الفاضل الأستاذ بدر الشبيب [7] . بل إن عهد الوفاء والطيب متأصّلٌ وقديمٌ فيها؛ فهذه المرحومة الملاية فهيمة الشبيب خادمة أهل البيت
، وهي على سرير مرضها عام 1396 هـ في مستشفى الظهران، تُرسل وصيتها إلى أبنائها، وبخطٍّ مرتعش، لتتأكّد: هل وفَّيتم ما في ذمّتي للحاج عبدالوهاب البوصالح «والدي» [8] ؟ وذلك في تفصيلٍ مذكورٍ في الرسالة أدناه.
وهكذا يتبيّن أن في الناس من لا تغلبه المادية ولا تُطفئ في قلبه نور الإيثار، وأن في هذا العالم - مهما اشتدّت قسوته - نفوسًا كريمة تُعيد إلينا الثقة بالإنسان ومعنى الرحمة، ومثال الأستاذ حسين الشبيب شاهدٌ ناصع على أن الخير لا يزال حيًّا، وأن الإيثار ليس مجرد قيمةٍ تُتلى، بل سلوكٌ يُمارَس وصدق أمير المؤمنين
إذ قال «الإيثارُ أفضلُ الإحسان» [10] وختامًا، أبعث تحيتي إلى الأستاذ حسين الشبيب وإلى أسرة الشبيب النجيبة، داعيًا لهم بالتوفيق والسداد.














