كلمات إيل
أشباح المشرق
قبل أن أُعمّد بماء اليقين وأصبح جامعاً لرقوق ”أهل الدعوة“، كنتُ مجرّد باحثٍ شابٍ تلتهمه نيران الفضول، أطارد أشباح التاريخ القريب في حانات المشرق وأزقته المنسية. ففي تلك الأيام الخوالي، لم أكن أرافق قوافل الزعفران والحرير القادمة من بابل طمعاً في أجرٍ أو التماساً لفضة. فقد كنزتُ في معسكر الإسكندر أيام جنديتي من التبر الوفير، ما يربو على حاجتي ويكفيني لآخر العمر، وإنما كانت تلك الأسفار الممتدة ميداناً استنزفَ كل ما حوته يداي من مال. لقد أنفقتُ كنز المقدوني بامتلاء وسخاء، أشتري به الرقوق النادرة، وأفتديها به عند سدنة المعابد القديمة، وأبذله في استعارة الأسفار وشراء ذمم الرواة، حتى نفد الذهب عن آخره. ولم أكن أرى في ذلك غبناً أو خسراناً، بل كنتُ أستبدل بالمعدن الفاني ما هو أبقى وأثمن. كنت أشتري بالذهب الحرف والمعرفة، كمن يبذل ثروته وطارف ماله ليفوز بأرفع إجازة في ديوان الحكماء، مبدلاً عَرَض الدنيا الزائل بملكةٍ عقلية وثيقة لا تطالها أيدي السعاة ولا تبليها السنون.
وفي إحدى تلك الليالي الكالحة، تناهت إلى سمعي همسةٌ كادت تطيح بعقلي. قيل إن هناك كاتباً قديماً، كاهناً منزوياً أدركه الجنون أو كاد، يتقن ”الحرف الكنعاني“ المندثر، وأنه يحمل في صدره سراً من ليالي زحف الإسكندر نحو ساحل الشام، سراً يخصّ الملكة الأم ”أوليمبيا“ حرقه بيده.
أدركتُ حينها أنني أقف على حافة هاوية تاريخية لا يعلم بها أحد. كان لا بد لي من العثور عليه، لكن العوز كان يقيد خطوتي. طرقتُ أبواب التجار والأمراء أطلب رِفداً لرحلتي، فقوبلتُ بالسخرية والصدّ، حتى قادتني الأقدار إلى عتبات ”أهل الميثاق“. لم أكن لأكشف لهم عن هويتي، فكيف لِمن يتخفى من سيوف الخلفاء [1] وصراعاتهم الدموية أن يسلّم رقبته لغرباء لا يثق بهم؟
عوضاً عن التوسل، جلستُ أمام أحد كبرائهم، وألقيتُ بين يديه ”سرّ المعاناة“. لم أطلب ذهباً، بل سألته بصوتٍ خفيض: ”ما ثمن الرماد أيها الحكيم؟ رمادُ رسالةٍ كنعانية، خُتمت بخاتم أمٍّ مقدونية، وأحرقها كاهنٌ صنميّ قبل أن يُدمّر ميراث «قدموس» على أسوار صور؟“.
تغيرت نظرة الشيخ، واهتزت جدران صمته. لقد أدركوا بشفافيتهم أن الغريب الماثل أمامهم ليس متسولاً عابراً، ولا جاسوساً يبحث عن مكافأة. مَن يعرف بوجود هذه الرسالة تحديداً، هو قطعاً رجلٌ سار في الدائرة الضيقة جداً للفتى المقدوني، ونجا من مفرمة القصر ليطارد الحقيقة المفقودة.
حملتُ زادي ويمّمتُ وجهي شطر قريةٍ بائسةٍ على أطراف صيدا، وهناك وجدته. لم يكن كاهناً مهيباً، بل حطام إنسان يرتجف رعباً من ظلاله. وحين أسلتُ الذهب بين يديه، وحدثته ببعض ما أتقنه من لسان أجداده، انهار سده المنيع، وبكى بكاءً يمزق نياط القلب، وشرع يروي لي تفاصيل تلك الليلة الملعونة التي سبقت مجزرة صور وحصارها.
- إيتانس الصغدي -












