آخر تحديث: 24 / 7 / 2026م - 11:23 م

التفكر في خلق الله

ياسين آل خليل

من أعظم النعم التي امتن الله بها على الإنسان نعمة العقل، ولم يمنحه هذه النعمة ليكتفي بإعمار الأرض أو تحقيق المكاسب الدنيوية، بل ليكون العقل وسيلةً للتأمل والتفكر، ومن ثم الوصول إلى معرفة الخالق وتعظيمه. ولذلك لم يكن القرآن الكريم كتاب أحكام فحسب، بل كان كتابًا يوقظ العقول، ويأخذ الإنسان في رحلة طويلة بين السماء والأرض، وبين نفسه وما حوله، حتى يدرك أن وراء هذا الإبداع خالقًا لا يشبهه شيء.

كلما تقدم العلم، واتسعت دائرة المعرفة، ازداد الإنسان وقوفًا أمام أسرار هذا الكون. واليوم يفتخر العالم بإنجازات عظيمة، كفك الشفرة الوراثية، والتقدم في الذكاء الاصطناعي، واستكشاف أعماق الفضاء، وهي إنجازات تستحق التقدير، لأنها ثمرة العقل الذي أودعه الله في الإنسان. غير أن هذه الإنجازات كلها تبقى في حقيقتها اكتشافًا لسنن خلقها الله، وليست خلقًا من العدم، ولا إيجادًا لشيء لم يكن موجودًا في الأصل.

إن الإنسان مهما بلغ من العلم، فإنه لا يبتكر قوانين الكون، وإنما يكشف عنها تدريجيًا. وكل اكتشاف جديد لا يضيف إلى عظمة الإنسان بقدر ما يضيف دليلًا جديدًا على عظمة الخالق الذي أودع هذه السنن في الكون منذ أن قال للشيء.. كن فيكون.

ومن أروع ما يدعو إليه القرآن، أن يتأمل الإنسان أصغر المخلوقات قبل أكبرها. يقول تعالى.. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا . فالإنسان قد ينظر إلى البعوضة على أنها حشرة صغيرة لا تستحق الالتفات، بينما يكشف العلم أنها عالم متكامل من الدقة والتنظيم، يحتوي أجهزة متخصصة تؤدي وظائفها بكفاءة مذهلة. وكلما ازداد الباحثون معرفة بتفاصيل هذا المخلوق، ازداد وضوحًا أن الإبداع الحقيقي لا يقاس بحجم المخلوق، وإنما بإتقان صنعه.

وفي الجهة الأخرى، يرفع القرآن بصر الإنسان إلى السماء، حيث الامتداد الذي لا تكاد العقول تدرك حدوده. مليارات المجرات، وأعداد لا تحصى من النجوم والكواكب، تتحرك جميعها وفق نظام بالغ الدقة، دون أن يختل هذا البناء الكوني العظيم. ويشير القرآن إلى هذه الحقيقة بقوله تعالى.. ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ . وكلما تطورت وسائل الرصد الفلكي، اتسعت أمام الإنسان آفاق جديدة تؤكد أن ما عرفه حتى اليوم ليس إلا جزءًا يسيرًا من هذا الكون.

وربما يظن بعض الناس أن الذكاء الاصطناعي يمثل ذروة الإبداع البشري، لكنه في النهاية لا يخرج عن كونه برمجة تعتمد على قواعد وضعها الإنسان، والإنسان نفسه لم يخلق عقله، ولم يخلق المادة التي يعمل بها، ولم يخلق القوانين الرياضية والمنطقية التي يستند إليها، بل اكتشفها وسخّرها. وكذلك الحال في الجينوم البشري، فما يفعله العلماء هو قراءة الشفرة التي كتبها الخالق، وفهم شيء من أسرارها، لا إنشاء الحياة من العدم.

ولهذا فإن المؤمن لا يرى في التقدم العلمي منافسًا للإيمان، بل يراه شاهدًا جديدًا عليه. فكلما اتسعت دائرة المعرفة، اتسعت معها دائرة الدهشة، وكلما انكشفت أسرار جديدة في الكون، ازداد يقين العاقل بأن وراء هذا النظام علمًا لا يحده حد، وقدرة لا يعجزها شيء، وحكمة أحاطت بكل شيء.

إن التفكر في خلق الله ليس ترفًا فكريًا، بل عبادة من أجلّ العبادات، لأنه ينقل الإنسان من مجرد رؤية الأشياء إلى رؤية آثار الخالق فيها. وعندما يعيش الإنسان هذه الحالة من التأمل، يدرك أن أعظم ما وصل إليه العقل البشري، مهما بدا مدهشًا، ليس إلا قطرة من بحر العلم الإلهي، وأن كل ما في الكون، من أصغر خلية إلى أعظم مجرة، ينطق بحقيقة واحدة.. ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ .