الرفق بالإنسان قبل الحيوان
في عام 1824 م تأسست في إنجلترا الجمعية الملكية للرفق بالحيوان، ثم أُنشئت الجمعية السعودية للرفق بالحيوان عام 2018 م، انطلاقًا من مبدأٍ إنساني نبيل يدعو إلى الرحمة بالحيوان، ومنع تعذيبه أو الاعتداء عليه، وترسيخ ثقافة التعامل معه برفق واحترام. وهي أهداف سامية لا يختلف عليها اثنان، بل إن ديننا الإسلامي سبق إلى ترسيخ هذا المبدأ، فجعل الرحمة خلقًا يشمل الإنسان والحيوان وسائر المخلوقات.
لكن المشكلة لا تكمن في الرحمة، وإنما في سوء فهمها أو سوء ممارستها. فبعض الناس، بدافع الشفقة، يمارس تصرفات يظنها إحسانًا، بينما تنعكس آثارها سلبًا على الإنسان والحيوان معًا. فالرحمة لا تعني أن نفعل ما نشاء دون نظر إلى العواقب، وإنما أن نحسن التصرف بما يحقق المصلحة ويدفع الضرر.
ومن أكثر المشاهد التي تستحق الوقوف عندها ما نراه في الكورنيشات والمنتزهات العامة. فقد أُنشئت هذه المرافق بعد جهود كبيرة، وصُرفت عليها أموال طائلة لتكون متنفسًا للعائلات والافراد، ومكانًا يستمتع فيه الناس بالطبيعة والهواء النقي، ويمارسون فيها رياضة المشي حفاظًا على صحتهم. لكن المؤسف أن بعضها تحول تدريجيًا إلى بيئة جاذبة لأعداد كبيرة من القطط، وأحيانًا الكلاب، بسبب إلقاء الطعام لها بصورة عشوائية ومتكررة، حتى أصبح بعض مرتادي هذه الأماكن يعزفون عن ممارسة المشي أو التنزه خوفًا من كثرة هذه الحيوانات أو مضايقتها لهم.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على الكورنيشات والمنتزهات، بل امتدت إلى بعض الأحياء السكنية أيضًا. فنرى بعض السكان يلقون الطعام للقطط، وأحيانًا للكلاب، أمام منازلهم أو في الشوارع المحيطة، بدافع الرحمة وإطعامها، بينما يعيش بقية سكان الحي معاناةً يومية بسبب تزايد أعداد هذه الحيوانات، وما يرافق ذلك من ضوضاء، وروائح، ومخلفات، وتشويه للمكان، فضلًا عن خوف بعض الأطفال وكبار السن من الاقتراب منها. فتصرف فردٍ واحد قد يتحمل آثاره حيٌّ بأكمله، فالرحمة التي تُلحق الضرر بالناس ليست رحمة، وإنما سوءُ تصرفٍ أُلبس ثوبَ الرحمة.
إن من يقوم بهذا الفعل يعتقد أنه يمارس الرحمة، لكنه يغفل عن النتائج التي يتركها خلفه. فتجمع الحيوانات في أماكن التنزه وداخل الأحياء، وبقاء بقايا الطعام على الأرض، وانتشار الروائح والحشرات، وتشويه المنظر العام، كلها أمور تحرم كثيرًا من الأسر والأطفال من الاستمتاع بهذه الأماكن كما خُصصت لهم. وقد يصل الأمر إلى شعور بعض الزوار بالخوف، أو تعرضهم لمضايقات من الحيوانات التي اعتادت انتظار الطعام في تلك المواقع.
ولا يقف الضرر عند الإنسان فقط، بل يمتد إلى الحيوان نفسه. فكثير ممن يلقون الطعام لا يعلمون إن كان ما يقدمونه صالحًا لهذه الحيوانات أم ضارًا بها، فتُرمى بقايا الأطعمة أو الأغذية الفاسدة أو غير المناسبة، وقد تكون سببًا في إصابتها بالأمراض أو نفوقها. كما أن تعويد الحيوانات على الاعتماد الكامل على الطعام الملقى يغير سلوكها الطبيعي ويجعلها تتجمع بكثافة في أماكن محددة، وهو ما يخلق مشكلات بيئية وصحية متزايدة. ومن أراد الأجر بإطعام الحيوانات، فليُتم إحسانه برفع بقايا الطعام وتنظيف المكان بعد الانتهاء، وألا يترك ذلك على عاتق عامل البلدية؛ فتمام الإحسان ألّا يترتب عليه أذى للآخرين.
ومن جانب آخر، لا يمكن إعفاء البلديات من جزء من المسؤولية. فهي تبذل جهودًا كبيرة في إنشاء الكورنيشات والحدائق وتطويرها، وهذا أمر يستحق التقدير، لكن المحافظة على هذه المرافق لا تقل أهمية عن إنشائها. فمن المؤسف أن تخلو كثير من المواقع من اللوحات الإرشادية التي تمنع إلقاء الطعام للحيوانات. وكما نرى لوحات تحذيرية تمنع إشعال الفحم أو الجمر حفاظًا على سلامة المرافق العامة، فمن الأولى أيضًا أن توجد لوحات واضحة تمنع رمي الطعام للحيوانات في هذه الأماكن، إلى جانب حملات توعوية مستمرة ورقابة تحد من هذه الظاهرة قبل أن تتفاقم.
إن الحل لا يكون بمنع الرحمة، وإنما بتنظيمها. فمن أراد إطعام الحيوانات فليكن ذلك عبر القنوات المخصصة، أو بالتنسيق مع الجهات المعنية والجمعيات المختصة، وفي أماكن لا تضر بالناس ولا تحول المرافق العامة إلى مأوى للحيوانات. كما أن نشر الوعي بين أفراد المجتمع، ووضع لوحات إرشادية واضحة، وتطبيق الأنظمة عند الحاجة، كلها خطوات تسهم في تحقيق التوازن بين حق الإنسان في الاستمتاع بالمرافق العامة، وحق الحيوان في المعاملة الحسنة.
إن الرحمة قيمة عظيمة، لكنها لا تكتمل إلا إذا اقترنت بالحكمة. فلا يصح أن نبحث عن الإحسان إلى الحيوان بطريقة تضر بالإنسان، ولا أن تكون عاطفتنا سببًا في إفساد المرافق التي أُنشئت لخدمة الجميع. فالإنسان أولى بأن ينعم ببيئة نظيفة وآمنة، والحيوان أولى أن يُعامل برفقٍ منظم لا يجر عليه ولا على غيره الضرر. وعندما تجتمع الرحمة مع حسن التدبير، نكون قد أنصفنا الإنسان والحيوان معًا.
وفي الختام، فإن معالجة هذه الظاهرة لا تعتمد على جهةٍ واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة. فهي تبدأ من وعي الإنسان نفسه، بأن يمارس الرحمة بعقلٍ وحكمة، وألا يكون تصرفه سببًا في الإضرار بالآخرين أو بالمرافق العامة، كما تتطلب دورًا فاعلًا من البلديات والجهات المختصة في تكثيف الرقابة، ووضع اللوحات الإرشادية، وتطبيق الأنظمة التي تحد من هذه الممارسات. وعندما يجتمع وعي الفرد مع الرقابة الرسمية، تتحقق الرحمة في صورتها الصحيحة، ويُصان حق الإنسان، ويُحفظ حق الحيوان، وتبقى مرافقنا العامة نظيفة وآمنة يستفيد منها الجميع.













