بعد 180 يوماً.. بدء سريان نظام التعليم العام في المملكة
دخل قطاع التعليم في المملكة مرحلة تشريعية جديدة بعد صدور المرسوم الملكي الكريم رقم «م/36» بتاريخ 27/1/1448 هـ، بالموافقة على نظام التعليم العام، بناءً على قرار مجلس الوزراء رقم «103» بتاريخ 22/1/1448 هـ، في خطوة تعد من أكبر عمليات تحديث التشريعات التعليمية خلال العقود الأخيرة، وتهدف إلى بناء منظومة تعليمية أكثر كفاءة ومرونة، تتواءم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، وتواكب المتغيرات العالمية في التعليم.
ويضع النظام إطارًا تشريعيًا شاملًا لتنظيم التعليم العام في المملكة، بدءًا من مرحلة الحضانة وحتى الصف الثاني عشر، عبر 68 مادة موزعة على تسعة فصول، تناولت جميع عناصر المنظومة التعليمية، بما يشمل الحوكمة، والمناهج، والمعلمين، والطلاب، والتعليم الأهلي، والتعليم الإلكتروني، والبيئة المدرسية، والعقوبات، والأحكام التنفيذية.
تشريع يعيد رسم خارطة التعليم
يمثل النظام الجديد نقلة تنظيمية في إدارة التعليم العام، إذ انتقل من معالجة الجوانب الإجرائية إلى بناء منظومة متكاملة تحدد الأدوار والمسؤوليات والصلاحيات، وترسخ مبادئ الجودة والحوكمة والاستدامة، بما يعزز كفاءة الأداء ويرفع مستوى المخرجات التعليمية.
كما ينسجم النظام مع برنامج تنمية القدرات البشرية، أحد برامج رؤية المملكة 2030، الذي يستهدف إعداد جيل يمتلك المهارات والمعارف والقيم اللازمة للمنافسة عالميًا، والإسهام في الاقتصاد الوطني القائم على المعرفة والابتكار.
أهداف شاملة لبناء الإنسان
ركز النظام على أن التعليم لا يقتصر على التحصيل الأكاديمي، بل يمتد إلى بناء شخصية الطالب دينيًا ووطنيًا وعلميًا وثقافيًا ومهاريًا.
وشملت الأهداف غرس العقيدة الإسلامية، وتعزيز الهوية الوطنية، وترسيخ الانتماء للوطن، وإتقان اللغة العربية، وتنمية مهارات التفكير الناقد والإبداعي، والتعامل مع التقنيات الحديثة، وتنمية الوعي الفكري، وحماية الطلاب من الأفكار المتطرفة، إلى جانب نشر ثقافة العمل والإنتاج والتطوع، وتعلم لغة أجنبية واحدة على الأقل.
التعليم حق للجميع... وإلزامي حتى سن الخامسة عشرة
أكد النظام أن التعليم العام حق لكل مواطن، ويقدم مجانًا في المدارس الحكومية، كما جعل التعليم إلزاميًا ابتداءً من سن السادسة وحتى نهاية الخامسة عشرة.
وألزم النظام الجهات المختصة باتخاذ الإجراءات النظامية تجاه كل من يحرم الطفل من التعليم أو يتسبب في انقطاعه خلال سنوات الإلزام، بما يعزز حماية حق الطفل في التعليم.
مجلس جديد يقود السياسات التعليمية
ومن أبرز ما جاء في النظام إنشاء مجلس شؤون التعليم العام برئاسة وزير التعليم، وعضوية ممثلين من وزارات الاقتصاد والتخطيط، والمالية، والصحة، والثقافة، والرياضة، والاستثمار، والموارد البشرية، وهيئة تقويم التعليم والتدريب، إضافة إلى خبراء من القطاعين الخاص وغير الربحي.
ويتولى المجلس رسم السياسات والاستراتيجيات، واعتماد اللوائح المنظمة للتعليم، وإقرار ضوابط التعليم الإلكتروني، والتعليم الأهلي، والتعليم المبكر، والتقويم الدراسي، وشؤون الطلاب والمعلمين، بما يعزز الحوكمة ويضمن مشاركة مختلف الجهات ذات العلاقة في صناعة القرار التعليمي.
صلاحيات موسعة لوزارة التعليم
منح النظام وزارة التعليم صلاحيات تنفيذية واسعة، شملت إنشاء المدارس الحكومية المتخصصة، وإحداث المسارات التعليمية الجديدة، وإصدار التراخيص للمؤسسات التعليمية والمراكز المتخصصة، وتنظيم انتقال الطلاب، واعتماد الأدلة التنظيمية والإجرائية، وإقرار الزي المدرسي، وإعداد خطط السلامة والطوارئ، والاستثمار في الأصول التعليمية، ومنح الحوافز والمكافآت للطلاب والمعلمين.
كما منح الوزارة صلاحية تنظيم الحملات التوعوية، وإقامة المؤتمرات والمعارض التعليمية، وتمثيل المملكة في المنظمات الدولية المعنية بالتعليم العام.
مسارات تعليمية أكثر ارتباطًا بسوق العمل
ولأول مرة، ينص النظام على تأسيس مسارات تعليمية مهنية ومتخصصة داخل التعليم العام، بما يتوافق مع احتياجات سوق العمل، ويمنح الطلاب خيارات تعليمية أكثر تنوعًا، مع وضع ضوابط واضحة للانتقال بين المسارات المختلفة، بما يسهم في اكتشاف الميول والقدرات في مراحل مبكرة.
التعليم الإلكتروني جزء من المنظومة
أكد النظام أن التعليم الحضوري هو الأساس في جميع مراحل التعليم العام، مع الاستفادة من التعليم الإلكتروني والتقنيات الرقمية باعتبارها جزءًا داعمًا للعملية التعليمية، بما يعزز جودة التعلم ويضمن استمراره في الظروف الاستثنائية.
كما توسع في تنظيم التعليم المستمر وبرامج التعلم مدى الحياة، وإتاحة فرص التعليم لمن تجاوزوا سن التعليم الإلزامي.
اهتمام خاص بالموهوبين وذوي الإعاقة
أفرد النظام مواد متخصصة لرعاية الطلاب ذوي الإعاقة، من خلال دمجهم في المدارس كلما أمكن، وتوفير البيئة التعليمية المناسبة، والتقنيات المساندة، وأساليب التقويم التي تراعي احتياجاتهم.
وفي المقابل، أولى اهتمامًا بالطلاب الموهوبين عبر برامج الكشف المبكر، وإنشاء مدارس وفصول ومراكز إثرائية متخصصة، إضافة إلى السماح بتسريع انتقال الطلاب المتفوقين بين المراحل الدراسية وفق ضوابط محددة.
كما ألزم الوزارة باستحداث برامج للكشف المبكر عن الاضطرابات النمائية والسلوكية، بالتنسيق مع الجهات المختصة.
تطوير المناهج والاعتماد المدرسي
ألزم النظام وزارة التعليم وهيئة تقويم التعليم والتدريب والمركز الوطني للمناهج بإعداد الإطار الوطني للمناهج، بما يضمن توحيد المرجعيات التعليمية ورفع جودة المحتوى.
كما ألزم المدارس الأهلية بالحصول على الاعتماد المدرسي، والمشاركة في الاختبارات الوطنية والدولية، بما يسهم في تحسين جودة الأداء ورفع مستوى التنافسية.
دعم الاستثمار في التعليم
ومن الجوانب اللافتة، منح النظام مساحة أوسع لمشاركة القطاع الخاص والقطاع غير الربحي والمستثمر الأجنبي في قطاع التعليم العام، مع تنظيم إجراءات الترخيص، والرسوم الدراسية، والدعم الحكومي، وإدارة وتشغيل بعض المؤسسات التعليمية، في إطار تعزيز الاستثمار ورفع جودة الخدمات التعليمية.
حقوق الطالب في صدارة النظام
وسع النظام من حقوق الطالب، مؤكدًا حقه في بيئة تعليمية آمنة وصحية، والحماية من جميع أشكال الإيذاء، وسماع شكواه، والحصول على الرعاية الصحية الأولية، وعدم تكليفه بأعمال غير نظامية، وتسليمه شهادة النجاح دون قيد أو شرط.
وفي المقابل، حدد واجبات الطالب، وفي مقدمتها احترام المعلمين، والالتزام بالحضور، والمحافظة على الممتلكات العامة، والتقيد بقواعد السلوك والمواظبة.
تعزيز مكانة المعلم
أكد النظام أهمية المعلم باعتباره الركيزة الأساسية للعملية التعليمية، ونص على توفير بيئة مهنية مناسبة، وبرامج تدريب وتطوير مستمرة، وتعزيز مكانته الاجتماعية، والالتزام بميثاق أخلاقيات المهنة.
كما أجاز تكليف المعلمين بتدريس مقررات خارج تخصصاتهم وفق ضوابط يقرها مجلس شؤون التعليم العام، بما يسهم في معالجة الاحتياجات التعليمية.
بيئة مدرسية أكثر جودة
شدد النظام على تطوير المباني التعليمية وفق معايير حديثة تحقق الاستدامة، وتوفير خدمات النقل المدرسي مجانًا لطلاب المدارس الحكومية، وتعزيز الأمن والحراسة داخل المدارس، وتنظيم الصحة والتغذية المدرسية بالتنسيق مع وزارة الصحة والهيئة العامة للغذاء والدواء.
كما أجاز الاستفادة من مرافق المدارس خارج أوقات الدراسة بما يخدم المجتمع، وفق ضوابط محددة.
عقوبات لضمان الانضباط
حدد النظام منظومة متكاملة للمساءلة والانضباط، تشمل تشكيل لجان مختصة للنظر في المخالفات، واتخاذ تدابير عاجلة لحماية البيئة التعليمية، وفرض عقوبات على المخالفين من منسوبي التعليم أو المؤسسات التعليمية الخاصة، تبدأ بالإنذار والغرامات، وتصل إلى إلغاء الترخيص أو إنهاء الخدمة في المخالفات الجسيمة.
كما منح المتضررين حق التظلم أمام الجهات القضائية المختصة خلال ستين يومًا من تاريخ العلم بالقرار.
مرحلة جديدة للتعليم
ويرى مختصون أن النظام الجديد يمثل حجر الأساس لمرحلة جديدة في تطوير التعليم العام، من خلال تحديث الأطر النظامية، وتعزيز الحوكمة، وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص، ورفع جودة التعليم، وتمكين المدارس والمعلمين والطلاب من مواكبة التحولات العالمية، بما يسهم في إعداد أجيال تمتلك المهارات والمعارف اللازمة للمستقبل، وتدعم تنافسية المملكة إقليميًا ودوليًا في قطاع التعليم.
ويبدأ العمل بالنظام بعد 180 يومًا من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، على أن تستكمل وزارة التعليم خلال هذه الفترة إعداد اللوائح التنفيذية والضوابط المنظمة، تمهيدًا لدخول النظام حيز التنفيذ بصورة كاملة.












