إذا دعانا
قال وهو يطوي ثوبه داخل الحقيبة..
”هذه المرة لن أخبر أحدًا“.
ضحكت زوجته وقالت..
”الله يكتبها لك“.
قبل أسبوع كان يردد الجملة نفسها ثم لم تمضِ ساعتان حتى صار نصف أصدقائه يعرفون موعد سفره.
أغلق الحقيبة..
أعاد فتحها..
أخرج منها ثوبًا..
ثم أعاده.
وكان قلبه أكثر انشغالًا من يديه.
دخل ابنه الصغير.
سأل ببراءة..
”بابا… متى نروح للحسين؟“
توقف.
نظر إلى الحقيبة..
ثم إلى ابنه.
وقال..
”إذا دعانا“.
خرجت الكلمة منه بسهولة وكأنها كانت تنتظر أن يقولها منذ زمن ولم ينتبه إليها إلا بعد أن خرج ابنه.
أعادها في نفسه مرة أخرى..
إذا دعانا.
غريبة…
فالرحلات الأخرى لا يقول فيها أحد: إذا دعانا..
يقول..
إذا حجزنا..
إذا حصلنا على إجازة..
إذا اكتملت الحجوزات..
إذا…
أما الحسين.. فكأن الناس يتحدثون عنه بطريقة مختلفة كأنهم يعرفون في داخلهم أن تجهيزات الرحلة كلها تبقى معلقة تنتظر اعتمادًا لا يملكه أحد.
لهذا ترى رجلًا يهيئ كل شيء ثم يبقى في مكانه..
وترى آخر خرج ليودع مسافرًا فعاد يحمل حقيبته معه.
لا أحد يفهم كيف جرت التفاصيل.
وأعترف أنني - في صغري - كنت أستغرب عبارة تتكرر كلما اقتربت الزيارة..
”مر على حبيب“..
”يسجلك حبيب“..
لا أحد يشرحها..
فهي في داخلك… لا في خارجك.
اعتقاد.
ولا أحد يناقشها..
تقال كما تُقال الأشياء التي تجاوزت مرحلة السؤال.
تمضي مع الناس وتنبض في كل حديث وفي كل روح، وفي كل شعور، ومن قلب إلى قلب.
حتى يخيل إليك أن حبيب بن مظاهر، سلام الله عليه، بعد أكثر من ألف عام، ما زال يعرف الزائرين واحدًا واحدًا.
لم أسأل يومًا من أين جاءت هذه العبارة.
يكفيني أنها بقيت حيّة فينا.
فالأشياء التي تولد من المحبة والولاء لا تحتاج إلى من يشرحهاً أو يصفها.
فهم يرون أن الطريق إلى الحسين
لا يفتحه المال وحده ولا الصحة وحدها ولا فراغ الأيام.
يرونه توفيقًا قبل أن يكون سفرًا.
ولهذا لا يسأل بعضهم..
متى أسافر؟
يسأل..
هل كُتبت لي؟
وحين يريدون أن يمنحوا هذا التوفيق اسمًا…
يذكرون حبيبًا.
وكلما رأيت حقيبة عند باب بيت أدعو لصاحبها في سري..
لا أن تُفتح له الطرق…
فهذا أيسر مما نظن..
أدعو أن يسجَّل اسمه..
وأجدني أردد كما يرددها عشاق الحسين..
سجِّلني يا حبيب.












