آخر تحديث: 24 / 7 / 2026م - 11:23 م

أبوحيان التوحيدي في مكتبتنا العربية المعاصرة

مراد غريبي *

مدخل

ليست المشكلة الكبرى في ثقافتنا العربية المعاصرة أننا لا نقرأ، بل نقرأ كثيرًا من غير أن نصنع من القراءة منبهًا محفزًا على الغربلة والتمييز.

لأن امتلاء الرفوف ليس دليلًا كافيًا على امتلاء الوعي، ولا كثرة عناوين الكتب المعروضة علامةً لازمة على حيوية العقل، إذ قد تتحول الوفرة نفسها إلى ستار أنيق يخفي نوعًا من الفقر النقدي؛ فقرًا لا يتمثل في نقص المعلومة، بل في ضعف الأدوات التي تمتحنها، وتردّها إلى أصولها، وتكشف ما فيها من افتراضات خفية ومسالك سلطوية ناعمة، هكذا تبدو مكتبتنا العربية المعاصرة، على اتساعها وتنوعها، أقرب إلى ساحة ازدحام معرفي منها إلى فضاء ناضج للانتقاء؛ إذ تتجاور فيها الكتب، لكن لا تتجاور دائمًا المعايير التي تزنها.

ضمن هذا السياق، يجيء أبو حيّان التوحيدي لا بوصفه اسمًا تراثيًا يُستدعى للزينة الثقافية، بل بوصفه معيارًا يفضح ما انكسر في علاقتنا بالفكر، فصاحب ”الإمتاع والمؤانسة“ ليس مجرد أديب مجالس، وإنما هو شاهد على زمنٍ كانت فيه المعرفة تولد من المحاورة، وتتغذى من السؤال، وتكتسب قيمتها من قدرتها على احتمال الاعتراض.

ثم لا ننسى أن الكتاب نفسه، كما تفيد مقدماته المعروفة، خرج من سبعٍ وثلاثين ليلة من السمر الفكري مع الوزير، ثم دوّنها التوحيدي في عمل صار مرآةً لثقافة حوارية رفيعة، لا تفصل الأدب عن الفلسفة، ولا الطرفة عن الحكمة، ولا المؤانسة عن التفكر. لهذا فإن وضع التوحيدي في مكتبتنا العربية المعاصرة ليس مفارقة بلاغية فحسب، بل هو اختبار حاد: ماذا سيحدث حين يدخل عقل تشكّل في حضرة السؤال إلى فضاء صارت فيه الفكرة كثيرًا ما تُستهلك قبل أن تُفهم؟

منطق الهيمنة الثقافية

لعل ما يواجه القارئ العربي اليوم ليس مجرد تنوع في المعروض، بل شبكة معقدة من التأثيرات التي تعيد تشكيل ذوقه من الداخل، حيث لا تكفي اللغة الأخلاقية المباشرة لفهم ما يجري، لأننا لا نكون غالبًا أمام فرضٍ صريح أو منعٍ خشن، بل أمام ما سماه غرامشي الهيمنة الثقافية: ذلك النمط من السلطة الذي لا يشتغل بالقسر وحده، بل بصناعة القبول، وتثبيت التصورات، وترتيب ما يبدو طبيعيًا وحديثًا ونافعًا حتى يغدو وكأنه الخيار الوحيد الممكن، على هذا الأساس، لا تدخل بعض الكتب إلى وعينا لقيمتها المجردة فقط، بل لأنها محمولة بمنظومة كاملة من الشرعية الرمزية؛ شرعية السوق، والإعلام، والذوق العام، ولغة ”الأكثر مبيعًا“، وإغراء العالم المعاصر بأن ما يخرج من مركزه الغربي الليبيرالي أكثر أهلية لأن يُتّبع.

وفق نفس المسار، يكتسب كذلك ابن خلدون راهنيته المتجددة، حين يكتب أن ”المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب“، فهذه العبارة ليست حكمة خالدة فحسب، بل هي تشريح نفسي عميق لما يطرأ على الوعي حين تختلط الهزيمة بالإعجاب، وحين يتحول التفوق الحضاري للآخر إلى قوة خفية تعيد ترتيب أحلامنا ومقاييسنا ومعاييرنا في الحكم، كما أن المغلوب لا يقلد الغالب في الزي والهيئة وحدهما، بل في صورة النجاح، وفي تعريف التقدم، وفي اختيار ما يقرأه بوصفه الأكثر تمثيلًا لروح العصر، ثم لا تعود القراءة لقاءً حرًا بين قارئ وكتاب، بل تصير في أحيان كثيرة جزءًا من اقتصاد رمزي أوسع، يعلّم القارئ تدريجيًا أن يثق بما يأتيه من جهة الغلبة أكثر مما يثق بما أنتجته تقاليده الخاصة من أدوات في الفحص والمساءلة.

بازار الترجمة وفوضى الاستهلاك

لا أقصد في هذا الكلام دعوة إلى خصومة عقيمة مع الترجمة، فالحضارات لا تنمو في العزلة، وما كان للحضارة العربية والإسلامية نفسها أن تزدهر إلا يوم انفتحت على غيرها ونقلت عنه ثم أعادت هضمه وتشكيله، غير أن الفرق شاسع بين الترجمة بوصفها فعلًا حضاريًا، والترجمة بوصفها استهلاكًا رمزيًا:

في الحالة الأولى تدخل الفكرة إلى المختبر؛ تُسأل، وتُفكك، وتُختبر على ميزان الإنسان الذي ستخاطبه.

وفي الحالة الثانية تدخل الفكرة إلى السوق؛ تُعرض، وتُسوّق، وتُمنح سلطةً جاهزة لأن مصدرها قادم من جهةٍ متفوقة في ميزان العالم الجديد.

هكذا يمكننا فهم الرواج الكثيف لبعض الكتب التي تعد بإعادة تشكيل النفس، وضبط العادات، وتدبير النجاح، وصناعة الذات على نحو سريع وعملي، إذ ليست المشكلة في أن يقرأ القارئ كتابًا في التهذيب أو الانضباط أو إدارة الوقت، بل في أن تتحول هذه الخطابات إلى بديل شبه كامل عن التكوين الفلسفي والأخلاقي والروحي الأعمق، لأنه عندما تُستهلك مفاهيم النجاح الشخصي والتعافي الفردي والتنمية الذاتية خارج مساءلة شروطها الحضارية والإنسانية، فإنها لا تنقل نصائح فقط، بل تنقل أيضًا صورة مخصوصة عن الإنسان: إنسانًا يمكن اختزاله إلى مشروع كفاءة، وإلى آلة قابلة لإعادة البرمجة، وإلى ذاتٍ يختصر خلاصها في إجراءات لا في أسئلة. وبالتالي تضيق التجربة الإنسانية بدل أن تتسع؛ لأن كل ما لا يدخل في منطق الفاعلية السريعة يُدفع إلى الهامش: القلق، والمأساة، والضعف، والأسئلة الوجودية الكبرى، وكل ما لا يُعالج بوصفة سريعة، الأمر نفسه يقع، بصيغة أخرى، في تلقي الرواية، حيث ليس الخلل في قراءة الرواية المترجمة، بل في أن تتحول الرواية، داخل الذوق السائد، إلى مادة تشويق بلغة الريلز، أو إلى منتج انفعالي سريع، أو إلى شكل من أشكال الترفيه الراقي الذي لا يطلب من القارئ أكثر من متابعة ذكية وإثارة محسوبة، عند ذلك يُعاد تشكيل الحساسية الجمالية نفسها، فيفقد القارئ صبره على النصوص التي تتطلب بطئًا، وتراكمًا، واصطبارًا على الغموض، واحتكاكًا شاقًا بالتاريخ والذاكرة واللغة والدين والنفس والآداب. هكذا تخسر الرواية بعدها التأملي، ويخسر القارئ حقه في أن تهزّه وتصدمه القراءة لا أن تسليه فقط.

رسالة التوحيدي لنا؟!

إن استدعاء التوحيدي ذو معنى حاد، لا يراد به التفاخر بتراثنا، بل استرداد شيء من كرامة السؤال التي كانت تحكم علاقتنا بالمعنى. فأبوحيان التوحيدي، كما الجاحظ وابن المقفع والغزالي وابن رشد وغيرهم، لا يمثلون أسماء كبرى فحسب، بل يمثلون طرقًا في التفكير؛ طرقًا تعرف كيف تحاور، وكيف تعترض، وكيف تزن الدعوى، وكيف تميز بين بريق العبارة وصلابة الحجة.

لكن نحن ما فقدناه في مكتبتنا العربية المعاصرة ليس النصوص وحدها، بل الأدوات التي أنتجت تلك النصوص: المناظرة بوصفها خلقًا عقليًا، والقياس بوصفه تمرينًا على ترتيب الدعاوى، والرزانة بوصفها شرطًا للفهم، والارتياب بوصفه حماية من الانبهار والذوبان في الآخر.

لعله التوحيدي لو دخل إلى مكتبتنا العربية المعاصرة، فلن يندهش من كثرة الكتب، بل من طبيعة العلاقة التي نشأت بينها وبين قرائها. سيجد رفوفًا لامعة، وكتبًا كثيرة، ومفاهيم تتردد بكثافة، لكنه سيشعر، على الأرجح، بأن شيئًا ما قد انكسر في العمق: انكسرت صلة القراءة بالتنشئة، وضعفت صلة الفكرة بالمحنة، وتراجع سؤال ”كيف أفكر؟“ أمام سؤال أكثر استعجالًا وأقل عمقًا: ”ماذا أقتني الآن؟“.

حينئذ لن يكون احتجاجه على الترجمة نفسها، ولا على الرواية، ولا على علم النفس، بل على العقل الذي استقال من مهمته وصار يطلب من الفكرة أن تطمئنه قبل أن تهزه، وأن تعالجه قبل أن تفضحه، وأن تمنحه خلاصة قبل أن تورطه في عناء الفهم.

غير أن المشهد لا يكتمل من غير الالتفات إلى رواج الكتاب الديني والوعظي والمذهبي في صيغته الجديدة؛ ذلك الكتاب الذي يخرج من اللغة العقائدية الثقيلة إلى لغة أكثر خفة وسردية، ويقدّم الموعظة في هيئة حكاية، والعبرة في صورة عبارة قصيرة سهلة التداول، كما يظهر في عدد من الأعمال الواسعة الانتشار لدى كتّاب من طراز أدهم شرقاوي، الذي اطلعت على كل اصداراته آخرها كان ”رسائل من التابعين“ و”50 قانونا للحب“، حيث ليست المشكلة في حضور الدين في الكتابة، فالدين عنصر أصيل في وجدان هذه المجتمعات العربية وثقافتها، كما أن الخطاب الديني جزء من آليات التأثير في الوعي العام، لكن الخلل يبدأ حين يتحول هذا الحضور إلى صيغة مطمئنة أكثر مما هو موقظ، وإلى خطاب يواسي الوجدان بدل أن يوقظ العقل، ويمنح القارئ خلاصة أخلاقية جاهزة قبل أن يدفعه إلى مشقة السؤال!!

حين يشيع هذا اللون من الكتابة على نطاق واسع، فإنه قد يُنمّي الحس العاطفي والأخلاقي، لكنه قد يضعف في المقابل النباهة الإنسانية الدقيقة؛ لأنه يدرّب المتلقي على التلقي الوجداني السريع، وعلى الاستجابة للعبارة المؤثرة، أكثر مما يدرّبه على الصبر على الفكرة، وعلى تفكيك الحجج، وعلى بناء موقف ثقافي ناضج من النص والعالم.

ما أود التأكيد عليه في هذه السطور، أنه لا ينبغي أن يُقرأ هذا النص بوصفه رثاءً للتراث، ولا هجومًا متجهمًا على كل جديد، بل بوصفه دعوة إلى استئناف فعلٍ عقلي أرفع: أن نقرأ العالم من غير تبعية، وأن نُدخل الوافد إلى معملنا لا إلى مستنقعات انبهارنا، وأن نسترد حقنا في الشك والتمحيص قبل التبني والتقليد.

لأننا ندرك أن الثقافة لا تُهان حين تقرأ، بل حين تقرأ من موقع التابع، وتفقد في لحظة القراءة جهازها الداخلي في المقاومة والتأويل، وما أكثر ما نحتاج اليوم، وسط هذا الضجيج التافه، إلى أن نتعلم من جديد كيف نترزن أمام الفكرة، وكيف نعيد ترتيب المسافة بين الكتاب والقارئ، حتى لا تتحول المكتبة إلى معرض كبير للأجوبة، فيما الأسئلة العميقة تموت في سرداب القابلية للاستدمار.

لعل التوحيدي، لو خرج من بين رفوف مكتبتنا العربية المعاصرة بعد هذه الجولة الطويلة، لن يكتب مرثية غاضبة، ولن يلقي بيانًا ضد أحد، لعلّه سيكتفي، كما يليق بعقلٍ خبر هشاشة البشر وامتحن المقولات، بأن يترك لنا عبارةً واحدة بين الكتب اللامعة والوعود السريعة والمفاهيم المعلبة:

”لم تمت الأمة حين قلّ ورقها، بل حين ضاعت أسئلتها“

كاتب وباحث في الفكر