سلالةُ الصوت
قبل أن أعرف اسمي، كانت هذه الأرض تعرفني؛ تحفظ لي موضعًا بين نخيلها، وتخبئ في ترابها أثر وجوهٍ سبقتني إلى الضوء، وتركت الطريق مفتوحًا كي أعود إليها من جهة الذاكرة.
لم يورّثني أجدادي أسماءهم وحدها؛ تركوا في الطين حرارة الأكف، وفي سعف النخيل هيئة الدعاء، وفي الماء ظلال وجوهٍ كانت تصالح التعب بابتسامة، وتركوا ذلك الحنين الغامض الذي يفيض في القلب أمام مكانٍ لم نعشه، ومع ذلك نشعر أننا غادرناه منذ زمن.
وكان الأدب بعض ميراثهم. لم تكن الكلمة زينةً للمجالس، وإنما كانت وعاءً للروح، تحفظ الوجوه من الغياب، وتصون الأيام من التبدد. أودعوا الشعر أنساب الذاكرة، وأسندوا إلى الحكاية حكمة الأعمار، وتركوا للعبارة أن تحمل ما تعجز الأيدي عن حمله.
لهذا لم تصلني أصواتهم من شجرة العائلة وحدها؛ جاءتني من بيت شعرٍ أفلت من النسيان، ومن حكايةٍ عبرت الأفواه حتى بلغتني وفيها شيءٌ من أنفاسهم، ومن نبرةٍ قديمةٍ استقرّت في دمي قبل أن أعرف لها اسمًا.
كانوا يزرعون أكثر مما يحصدون، ويعرفون أن بعض المواسم لا تأتي لأصحابها، وإنما لمن يسير بعدهم على الطريق. وكانت أقدامهم تحفظ حرمة البذور، وقلوبهم تتسع للجار والغريب والعابر الذي لا يعرف أسماءهم.
كلما عبرت هذه الأرض، أشعر أنني لا أمشي فوقها، وإنما أمشي في أعمارٍ تحولت إلى جذور. هنا ضحكةٌ ما تزال معلقة على جذع نخلة، وهناك صوت منجلٍ يشق الصمت ويترك المحبة كاملة، وفي الجهات كلها أثر أناسٍ أدركوا أن الإنسان لا يبقى بما يملك، وإنما بما يتركه حيًّا في ذاكرة المكان.
والبيوت القديمة لا تُهدم تمامًا؛ يبقى منها جدارٌ خفيٌّ في الروح، وعتبةٌ لا تغادر الذاكرة، ونافذةٌ مفتوحة على وجوه الغائبين. ويظل صوت الأمهات عالقًا في المساء، فيما تواصل القصائد مهمتها الصامتة في إنقاذ ما تبقى من الزمن.
لهذا لا أقول إنني أنتمي إلى هذه الأرض فقط؛ أشعر أن جزءًا مني عاش هنا قبل أن أولد، وأن ما أكتبه ليس بداية صوتي، وإنما رجعُ نداءٍ قديم وجد في داخلي طريقه إلى الحياة.












