اليتم العاطفي.. مظلومية تتجدد
السيدة رقية بنت الإمام الحسين
تلك الطفلة التي تمثل عنوان اليتم والحرمان والتشظي الوجداني، ومن خلال الغوص في قضيتها وشخصيتها السامية يمكن استلهام الدروس والعبر على المستوى الأسري، واستقراء الاتجاهات التربوية في تربية الأبناء، فهي
عنوان خالد ولفتة مستدامة إلى الطفولة التي سُلبت منها مفاهيم الأمان الأسري والبيئة الحاضنة لكل آمالها وتطلعاتها ورؤاها المستقبلية.
فلا شك أن الأب بما يمثله من كيان ودور فاعل يقدّم منذ أول إطلالة للأبناء على هذه الحياة الدفء والحنان والإغداق العاطفي، ولا يمكن تصور حجم الأضرار والأخطار المحدقة بالطفل إذا افتقد هذا الدور، وكان بعيدًا عن أحضان والده وساعديه اللذين يضمانه ويحتضنانه.
ومن رحم هذه المعاناة التي عاشتها السيدة الجليلة رقية
، وما شاهدته بعينيها الذابلتين من أحداث مفجعة، يتبلور مفهوم الطفولة المحرومة من الدفء الأسري، وما يصاحبه من معاناة وآثار سلبية. وإن استذكار مصابها
لا ينبغي أن يقف عند حدود التأثر العاطفي والتألم لتلك الفاجعة، بل يجب أن يتحول إلى مشروع معرفي وأخلاقي وتربوي يعيد للطفولة مكانتها وألقها، وتتبلور من خلال الحديث عنها أهم المعايير والمرتكزات للأسرة الحاضنة لأطفالها، ويجعل من بيوتنا امتدادًا لرسالة الرحمة والفاعلية المؤثرة والعطاء المعنوي المقدم للأبناء، بما يمنحهم قوة واقتدارًا في تحقيق أهدافهم وبناء شخصياتهم في مختلف جوانبها العاطفية والاجتماعية والمعرفية، ويؤهلهم مستقبلًا للانخراط في مسيرة التنمية والازدهار المجتمعي.
فقضية السبي بعد معركة كربلاء، وما رافقها من آلام الغربة والظلم، تمثل أكبر شاهد على انتهاك حقوق الأطفال من قبل العدوان الأموي الظالم. ومن أبرز تلك الشواهد ما لاقته السيدة رقية بنت الإمام الحسين
، التي أصبحت قضيتها شاهدًا حيًّا لإيقاظ الضمائر وتحريك المشاعر.
ويعتقد بعض الناس أن انتهاك حقوق الأطفال لا يكون إلا بالضرب أو الإيذاء الجسدي أو الكلمات القاسية، ولكن لو فتحنا أبواب بعض الأسر في مجتمعنا اليوم لشاهدنا الكثير من المآسي والآلام؛ إذ يعيش بعض الأطفال وجع الحرمان والقهر الذي لا يقل خطرًا عن ألم السبي والضرب، وهو وجع الحرمان العاطفي واليتم العاطفي داخل الأسرة، وبين والدين يدعيان محبة أطفالهما، لكنهما لا يطبقان معاني الحب والرأفة والحنان في واقع حياتهما.
فكثير من الأسر يكون حضور الأب أو الأم فيها حضورًا جسديًّا فحسب، أما القلوب والمشاعر فهي غائبة، بل تكاد تكون ملغاة في حياة الأبناء، فالأب منشغل بتوفير لقمة العيش وتأمين مستلزمات الحياة، وما تبقى من ساعات يومه يقضيه إما غارقًا في النوم، أو منشغلًا باللقاءات الخارجية والأصدقاء، وكذلك الأم قد تنشغل بإعداد الطعام وتنظيف المنزل، أو بوظيفتها التي تستغرق معظم وقتها، أو تغرق في همومها الخاصة ومشكلاتها، أو تنشغل بوسائل التواصل الاجتماعي، بعيدًا عن أطفالها، محاولة ملء فراغ تعيشه، متناسية أن أبناءها أحوج ما يكونون إلى الدعم العاطفي والحب والشفقة.
فالطفل ينتظر كلمة حانية ونظرة تفيض حبًّا ورضًا واحتضانًا يبعث في نفسه الأمان، وجلسة هادئة يُسأل فيها عن يومه وأحواله. وللأسف، يعتقد بعض الآباء والأمهات، بنظرتهم القاصرة، أن هذه الأمور من الكماليات أو وسائل الترفيه، بينما هي في الحقيقة احتياجات تربوية ونفسية أساسية، تُبنى عليها الشخصية السوية، وتُجنَّب الأبناء كثيرًا من التعقيدات والانحرافات التربوية.
ومن المؤسف أن بعض الأسر في زماننا قد أوكلت مهمة تربية الأبناء إلى وسائل التواصل الاجتماعي والشاشات والأجهزة الذكية، فأصبح كثير من التوجيه الذي يتلقاه الطفل يصدر من الجهاز الذي بين يديه، سواء كان توجيهًا إيجابيًّا أم سلبيًّا، والأدهى من ذلك أن بعض الأبناء باتوا يشاركون همومهم ومشاعرهم مع برامج الذكاء الاصطناعي، مثل «شات جي بي تي»، فيحادثونه، ويشكون إليه تقصير والديهم، ويطلبون منه كلمات حانية أو متنفَّسًا يفضفضون من خلاله عما يجول في قلوبهم.
وفي رأي العقلاء، أليس هذا لونًا من سبي طفولة أبنائنا؟
وأليس انتهاكًا لحقوقهم وظلمًا وعدوانًا عليهم، وإن كان يقع دون شعور من الوالدين، وتحت مظلة الانشغال وتوفير متطلبات العيش المادي؟
فأين مشاعر أطفالنا؟
وأين حقوقهم التربوية والنفسية؟
إن علينا أن نعي حقيقة مهمة، وهي أنه مهما سعينا إلى إسعاد أبنائنا ماديًّا وبدنيًّا، فلن يستغنوا أبدًا عن الإشباع العاطفي، وإغداق مشاعر الحب والحنان عليهم، فذلك هو الزاد الحقيقي الذي يصنع إنسانًا متوازنًا واثقًا سليمَ الشخصية.













