آخر تحديث: 22 / 7 / 2026م - 11:04 م

إذا ضاقت عليكم الوسيعة

باسم آل خزعل

ليست الحياة ضيقة كما نتصورها، وإنما تضيق حين تضيق نظرتنا إليها.

كم من طريق حسبناه مغلقًا، فإذا بمفتاحه في أيدينا. وكم من أزمة أرهقت عقولنا، ثم اكتشفنا بعد انقشاعها أن حلها كان أقرب إلينا من ظنوننا. ليست كل المعضلات معقدة، ولكننا أحيانًا نعقدها بكثرة التفكير، واستباق النتائج، وافتراض أسوأ الاحتمالات.

العجيب أن الإنسان حين يواجه موقفًا مفاجئًا، يتجه ذهنه تلقائيًا إلى أصعب الحلول، وكأن البساطة لم تعد خيارًا. فتتسع المشكلة في مخيلته قبل أن تتسع في الواقع، ويصبح أسيرًا لما يسمى بـ «النقطة العمياء».. تلك اللحظة التي يكون فيها الحل أمام العين، لكن العقل المنشغل لا يراه.

أتذكر يومًا علق فيه لسان قفل أحد الأبواب، فظن الجميع أن الأمر يحتاج إلى نجار، وفك للمسامير، وربما استبدال الباب بالكامل. تكاثرت الاقتراحات، وتعاظمت المشكلة، بينما لم يكن الأمر يحتاج إلا إلى دفعة يسيرة باليد، فإذا بالباب ينفتح وكأن شيئًا لم يكن.

حينها أدركت أن الباب لم يكن مغلقًا كما تصورنا، وإنما كانت أفكارنا هي التي أغلقت أبواب الحل.

هذا المشهد البسيط يتكرر في حياتنا كثيرًا، ولكن بأشكال مختلفة. نبالغ في رسم حجم العقبات، وننسى أن الحلول قد تكون أقرب إلينا من أن نلتفت إليها.

ومن المواقف التي بقيت عالقة في ذاكرتي ما حدث مع ابني في أحد اختبارات القدرات، تأخرنا عن الموعد دقائق معدودة، وكان القلق يسبق خطواتي. استقبلنا المسؤول بابتسامة مطمئنة، وأخبرنا أن الأمر لا يزال ممكنًا. ناشدت ابني بأن يستعجل، لكنه توقف ليخبرني بأنه يريد الذهاب إلى دورة المياه، ثم خرج بعد دقائق وسأل المسؤول بكل هدوء: أين المصلى؟

في تلك اللحظة، شعرت أن الوقت يهرب من بين يدي، وكأن الامتحان يخصني لا يخصه، وقلت له بلهفة: ولدي.. الامتحان!

نظر إلي بهدوء وقال: لا تقلق يا أبي، سأصلي ثم أدخل، ولن يفوتنا شيء بإذن الله.

ابتسم المسؤول، ثم التفت إلي ضاحكًا وقال: لا تحمل همًّا… سيلحق بالاختبار، ويبدو أن الولد لا يعرف القلق.

دخل ابني القاعة، وأدى الاختبار بكل سكينة، وكانت النتيجة حصوله على أعلى الدرجات.

ذلك اليوم لم يعلمني ابني درسًا في الثقة بالنفس فحسب، بل علمني أن الهدوء لا يعني التهاون، وأن الطمأنينة ليست ضعفًا، بل قوة تجعل الإنسان يرى ما يعجز عنه القلق.

وتكرر المشهد مرة أخرى، عندما كان موعد سفره إلى الولايات المتحدة. تأجلت الرحلة بسبب عطل فني إلى اليوم التالي، بينما كنت أعيش حالة من الانزعاج والفوضى، كأنني أنا الذي سوف يسافر، وكأن كل الخطط قد انهارت.

أما هو فقال بهدوء، اعتدت أن أتعلم منه بعد ذلك:

«يا أبي… لماذا كل هذا القلق؟ غدًا بإذن الله سنسافر، ولن يتغير شيء. دعنا نعود إلى المنزل.»

كانت الرحلة قد تأجلت بالفعل، ولم يكن القلق سيعيد الطائرة إلى المدرج، ولا الانفعال سيغير الواقع. لكنه كان يرى ما غاب عني، أن هناك أمورًا لا يحلها التوتر، وإنما يحلها التسليم بالأسباب، ثم المضي بهدوء.

وهنا أدركت المعنى الحقيقي لعبارة:

إذا ضاقت عليكم الوسيعة..

فإذا شعرتم أن الأمر الواسع أصبح ضيقًا، وأن الخيارات الكثيرة لم تعد تكفيكم، فتوقفوا قليلًا، واسألوا أنفسكم: هل المشكلة في الواقع.. أم في طريقة رؤيتنا له؟

إن سعة الصدر ليست مجرد خُلُقٍ حسن، بل هي منهج في التفكير. والتريث ليس إبطاء، بل فسحة يمنحها الإنسان لعقله حتى يرى الصورة كاملة. أما تعقيد الأمور، فهو باب ندخل منه إلى القلق بإرادتنا.

الحياة لا تخلو من التحديات، لكنها أيضًا لا تخلو من المخارج. وما بين التحدي والمخرج يقف الإنسان بعقله، فإن وسع أفقه، اتسعت له الدنيا، وإن ضيَّقه بالخوف والتوجس، رأى حتى السعة ضيقًا.

ولهذا، كلما ازدحمت الأفكار، وتعقدت السبل، وتكاثرت الاحتمالات، تذكروا أن كثيرًا من الأبواب لا تحتاج إلى كسرها، بل إلى دفعة هادئة في الاتجاه الصحيح.

فإذا ضاقت عليكم الوسيعة.. فراجعوا نظرتكم قبل أن تراجعوا الطريق، فربما لم يضق الطريق أصلًا، وإنما ضاقت به نفوسكم.