لا تَخَفْ من تغيير تفكيرك
سمعتُ أستاذةً في جامعة وريك البريطانية تقول كلمةً وجيزة المبنى، عظيمة المعنى: «لا تَخَفْ من تغيير تفكيرك». وما أروعها من عبارةٍ تهدم أوهام الجمود، وتفتح نوافذ التجدد، وتقول للعقل: لا تجعل ما عرفته بالأمس سجنًا لما ستعرفه غدًا، ولا تحوّل رأيًا وُلد في ظرفٍ قديم إلى حكمٍ مؤبدٍ على واقعٍ جديد.
إن تغيير التفكير لا يعني تبديل المبادئ، ولا بيع القيم، ولا التنازل عن الثوابت؛ فالثوابت جذور، والأفكار فروع، والقيم بوصلة، والوسائل رحلة. نحفظ الجذر، ولكننا نُحسن نموّ الشجر، ونصون البوصلة، ولكننا نغيّر الطريق متى ظهر طريقٌ أقصر وأيسر وأجدر.
فالإنسان الذي لا يراجع فكره، يشبه سفينةً ترفض تعديل مسارها وإن تغيّرت الرياح، أو طبيبًا يصرّ على دواءٍ قديم وإن ظهر ما هو أنفع في العلاج. وليس العيب أن تقول: كنت أرى ثم رأيت، أو كنت أظن ثم علمت؛ فالرجوع إلى الصواب فضيلة، أما البقاء على الخطأ خشية كلام الناس فهزيمةٌ ثقيلة.
والشركات شاهدٌ على ذلك؛ فكم من شركةٍ تشبثت بمنتجها كما هو، واعتبرت التطوير مساسًا بتاريخها، فسبقها الزمن، وهجرها الزبون، وتحولت من اسمٍ يملأ السوق إلى خبرٍ في سجل الإفلاس. وكم من شركةٍ حافظت على هويتها، ولكنها جدّدت أدواتها، وطوّرت منتجاتها، وأصغت إلى عملائها، فبقيت في الميدان، وتقدمت بين الأقران.
فالمنتج الذي لا يتطور يشيخ، والمؤسسة التي لا تتعلم تضعف، والعقل الذي لا يتجدد يجفّ. والمنافسة لا ترحم من ينام على أمجاد الأمس، لأن نجاح الأمس ليس ضمانًا للغد، وما أوصلك إلى القمة قد لا يكفي لبقائك فوقها.
ومن هنا تتجلى الحكمة المروية عن الإمام الصادق
: «مغبونٌ من تساوى يوماه»؛ لأن من لم يزد علمه، ولم ينضج رأيه، ولم يتحسن عمله، فقد خسر فرصة يومٍ جديد دون أن يضيف إلى نفسه جديدًا.
غيّر فكرتك عندما يظهر لك ما هو أصوب، وغيّر أسلوبك عندما تجد ما هو أنفع، وغيّر خطتك عندما يتبدل الواقع؛ ولكن لا تغيّر ضميرك، ولا تبع مبادئك، ولا تجعل التطور ستارًا للتنازل.
فالثبات على القيم قوة، أما الثبات على الوسائل عجز. والتجدد في الفكر حياة، أما الجمود عليه وفاةٌ بطيئة. لا تخف من تغيير تفكيرك؛ فقد يكون الرأي الجديد باب نجاتك، وقد تكون المراجعة بداية نجاحك، وقد تكون كلمة: «كنت مخطئًا» أشجع كلمةٍ تقولها في حياتك.













