آخر تحديث: 22 / 7 / 2026م - 11:04 م

قامت القيامة!

عماد آل عبيدان

الغريب أن الرجل إذا تزوج امرأة مطلقة من آخر الدنيا لا يسأله أحد…

كيف عرفتها؟

ومنذ متى؟

ولماذا اختارها ورغب فيها؟

يباركون له ويهنئونه ويسألون عن موعد ليلة الزواج… وتنتهي السالفة.

ثم يتزوج رجل طليقة أخوه…

يا اللللللله…

فتنقلب القصة كلها.

”من زمان عينه عليها؟“

”ما لقى إلا طليقة أخوه؟“

”أكيد الموضوع فيه إنّة!“

ولم يبقَ من السالفة إلا كلمة..

تزوّج…

أما بقيت سالفة الزواج… فقد كتبها الآخرون.

الغريب أن الطلاق ينتهي عند أصحابه وما بينهم في كثير من الأحيان…

لكنه عند الناس يبدأ من جديد..

فتعود الذاكرة والظنون إلى كل موقف قديم وسلام قيل… كلمة نيتها حسنة أو مساعدة عائلية…

كلها تُستخرج من أرشيف السنوات وتُقرأ قراءة جديدة لهذه الحالة حتى يبدو كل شيء وكأنه كان يمهد لهذا الزواج الذي صُوِّر فجأة على أنه فاجعة مع أنه حلال بيّن.

ولو أن الرجل نفسه تزوج مطلقة لا يعرفها أحد لما سأله أحد كم مرة رآها ولا متى عرفها ولا لماذا اختارها ولا هل خطرت على باله قبل طلاقها أم لا.

هي مطلقة في الحالتين.

والزواج هو الزواج.

والعقد هو العقد.

فليش يا ناس قامت القيامة هنا؟

هل حلال أن يتزوج المطلقة الغريبة…

وإذا كانت طليقة أخوه تغيّر الحكم؟

حلال محمد حلال إلى يوم القيامة.

وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة.

الحكم لا يتغير لأن المرأة كانت يومًا زوجة للأخ ولا يصبح المباح حرامًا لأن المجتمع لم يستسغه.

الذي يتغير هو نفوس الناس وظنونهم وألسنة لا تكتفي بالاستغراب وربما قد تشعل خلافًا وتوقظ شكًا وتقطع بين أخوين قبل أن يعرف أحد حقيقة ما جرى.

وهذا لا يعني أن الزواج من طليقة الأخ قرار سهل أو أنه يصلح لكل بيت.

قد تكون العلاقة السابقة انتهت بخصومة قاسية ما زالت آثارها قائمة فيأتي الزواج الجديد ويضع الأخوين وجهًا لوجه كل يوم وربما بقطيعة لا تنتهي.

وقد ينتهي كل شيء برضا الطرفين حتى لا يبقى بينهما إلا الاحترام.

قد يوجد أطفال يحملون اسم أبيهم ويعيشون في بيت عمهم فيجدون قربًا وأمانًا وقد يجدون أنفسهم وسط علاقة مركبة لا يعرفون كيف يفهمونها.

وقد تتقبل الأسرة الأمر فيمضي الزواج كما تمضي سائر الزيجات.

وقد توافق في البداية ثم تبدأ الحسابات القديمة عند أول خلاف أو مناسبة أو زيارة.

حتى الأم قد تجد نفسها محتارة في أبسط الأمور.

من تدعو أولًا؟

ومن يجلس قرب من؟

وهل تمر الجمعة العائلية كما كانت…

أم تعود سيرة الطلاق مع أول لمّة؟

لهذا لا يكفي أن يكون الزواج جائزًا حتى يكون مناسبًا.

الزواج جواز حكم شرعي..

أما نجاح الحياة فيحتاج إلى نضج ووضوح وقدرة على طي الصفحة السابقة دون إذلال أحد أو الانتقام منه أو تحويل الزواج الجديد إلى امتداد لخصومة قديمة.

وكذلك لا يكفي استنكار الناس حتى يصبح الزواج خطأ أو كأنه حرام.

قد يكون الطرفان أنسب لبعضهما مما كان كل واحد منهما في تجربته السابقة..

وقد تكون المعرفة العائلية سببًا في حسن الاختيار..

وقد تكون هي نفسها سببًا في الاعتذار عن هذه الخطوة إذا كانت النفوس لن تحتمل أو كان الألم سيبقى حاضرًا في كل لقاء.

المسألة لا تُحسم بجملة.. ”عيب يا رجال!“

ولا بجملة.. ”حلال وخلاص!“

بين الحلال ونجاح الحياة مساحة واسعة اسمها الإنسان.

فيها أخ يتجاوز…وأخ لا يستطيع.

وفيها امرأة ترى في هذا الزواج بداية جديدة… وأخرى تشعر أنها ما زالت تمشي في الطريق نفسه.

وفيها أطفال يحفظ لهم هذا الزواج قربهم من أهل أبيهم…وأطفال يدفعون ثمن التوتر كلما التقت العائلتان.

لهذا لا أقول.. افعلوا.

ولا أقول.. لا تفعلوا.

لكل حالة ظروفها..

ولكل بيت قدرته..

ولكل إنسان جرحه الذي لا يراه غيره.

الذي أقوله…

لا تجعلوا الظن حكمًا..

ولا تحولوا القرابة إلى تهمة..

ولا تكتبوا للرجل والمرأة ماضيًا لم يعيشاه لأن اختيارهما لم يعجبكم..

فليس كل طلاق وراءه خيانة..

وليس كل زواج من طليقة الأخ بدأ قبل طلاقها.

وقد لا تكون هناك حكاية خفية أصلًا..

قد يكون رجل وامرأة انتهت أمامهما حياة…

ثم التقيا بعدها في وقت جديد وبعقد جديد وبحلال محمد.

بعض الزيجات لا تُحاكم بعقدها…

وتُحاكم بما يتخيله الناس قبل عقدها.

”ما لقى إلا طليقة أخوه.“