آخر تحديث: 22 / 7 / 2026م - 11:04 م

المونديال وعنترة بن شداد و«النفاق الثقافي»...!

ميرزا الخويلدي * صحيفة الشرق الأوسط

هكذا، تحول كأس العالم «المونديال» من مجرد بطولة رياضية لحصد الكؤوس إلى أكبر مهرجان ثقافي واجتماعي وسياسي عابر للقارات، إنها المناسبة الوحيدة التي تجعل العالم بأسره يحدق في شاشة واحدة، ليتحول المستطيل الأخضر إلى مرآة تعكس الهويات، الصراعات، والتحولات الثقافية للبشرية.

ورغم أن الفيفا يرفع شعار ”فصل الرياضة عن السياسة“، فإن المونديال لطالما كان ساحة لتصفية الحسابات التاريخية وتأكيد الهويات المنقسمة، فقد شهدنا مباريات بطعم الحروب والتاريخ، ومواجهات تحمل إرثاً ثقيلاً من الصراعات السياسية السابقة؛ مثل مباريات إنجلترا والأرجنتين «التي ارتبطت بحرب الفوكلاند»، أو مباريات الولايات المتحدة وإيران «في فرنسا 1998، وقطر 2022»، ومنازلات ألمانيا وفرنسا. هنا تتحول المباراة إلى ”حرب بديلة“ ولكن دون دماء.

لكن ما لفتني في مونديال 2026؛ الحضور البارز للتلوينات العرقية والثقافية في المنتخبات الأوروبية... حتى لكأن العنصر الأوروبي التقليدي اختفى تماماً من بعض الفرق، وصارت الألوان السمراء تمثل بجدارة أجزاء واسعة من أوروبا كانت حكراً على ”الدماء الزرقاء“...! فمنتخبات أوروبية عريقة «مثل فرنسا وبلجيكا وإنجلترا» اعتمدت على لاعبين من أصول أفريقية أو مغاربية، ما يبرز الحاجة لتفكيك مفهوم ”المواطنة التقليدية“، ويفتح نقاشاً ثقافياً متجدداً في سوسيولوجيا الهوية والهجرة والاندماج: هل هذا التمثيل الهوياتي حقيقي أم انتهازي...؟ هل نحنُ مواطنون لأننا مثلهم أم أننا مواطنون لأنهم يحتاجوننا...؟ هل يُحتفى بهؤلاء كأبطال فقط عندما ينتصرون؟

هنا يبرز المونديال، بوصفه ”مختبراً مكشوفاً“ للشعارات السياسية ونظريات علم الاجتماع على مرأى من مليارات البشر، وأول ما يخضع للاختبار مفهوم ”المواطنة“ بشقيه: القانوني والثقافي.

ففي المنظور التقليدي، تُعرَّف المواطنة برابط قانوني وجغرافي صلب، لكن المونديال يتجاوز هذا المفهوم ويطرح بدلاً منه ”المواطنة متعددة الهويات“... فعندما ينزل المنتخب الفرنسي أو البلجيكي إلى الملعب، يرى المشاهد تشكيلة بشرية تعكس جغرافيا العالم المستعمر قديماً «أفريقيا، المغرب العربي، الكاريبي» أكثر مما تعكس جغرافيا أوروبا الكلاسيكية. وهنا يتحول الملعب إلى مساحة تُجبر الوعي الثقافي الغربي على إعادة تعريف ”من هو الفرنسي؟“ أو ”من هو البلجيكي؟“، أو البريطاني؟ فالهوية هنا لم تعد إرثاً ماضياً ثابتاً، بل أصبحت منتجاً متطوراً تعاد صياغته على العشب الأخضر.

لكن هذا المشهد ليس مثالياً، فوراء الأكمة ما وراءها؛ لنكتشف أننا أمام معضلة ”المواطنة المشروطة“، التي تستثير سؤالاً أخلاقياً وثقافياً حاداً: هل يُقبل المهاجر كجزء أصيل من النسيج الوطني، أم أن قبوله مشروط بتقديم ”صك تميز“؟ في السوسيولوجيا الثقافية، يُلاحظ أن المهاجر العادي غالباً ما يقع تحت مجهر الشك أو النمطية في وسائل الإعلام، لكن عندما يتحول إلى ”نجم مونديالي“، تتبناه الهوية الوطنية السائدة فوراً. تماماً فهو ”فرنسي“ إذا فاز.. و”مهاجر“ إذا خسر، كما عبّر عنها اللاعب الفرنسي من أصول جزائرية كريم بنزيمة، في عام 2014: ”عندما أسجل الأهداف، أنا فرنسي، وعندما لا أسجل، أنا عربي“، وكذلك النجم البلجيكي روميلو لوكاكو: ”عندما تسير الأمور بشكل جيد، يقرأ الناس في الصحف عني ويسمونني: روميلو لوكاكو، المهاجم البلجيكي. وعندما لا تسير الأمور على ما يرام، يسمونني: روميلو لوكاكو، المهاجم البلجيكي من أصل كونغولي“.

هو ذاته المعنى الذي اشتكى منه الفارس والشاعر العربي الجاهلي عنترة بن شداد «525 - 608 م» حين قال: ”ينادونني في السلم يا ابن زبيبة/ وَعِندَ صِدامِ الخَيلِ يا اِبنَ الأَطايِبِ“.

وهذا يعني ثقافياً أن احتفاء المجتمع بهؤلاء الأبطال قد يكون أحياناً احتفاءً ”براغماتياً“ مؤقتاً، ينتهي بمجرد اختفاء وهج البطولات التي يحققونها، حيث تعود النبرة الإقصائية أو العنصرية للظهور «كما حدث مع لاعبي إنجلترا ذوي البشرة السمراء بعد خسارة نهائي كأس الأمم الأوروبية يورو 2020»، خصوصاً مع المواطنين الذين يمثلون ما يسمى بالهوية الهجينة التي تتشكل عند تقاطع أكثر من ثقافة، كما يعبر عنها المفكر الهندي البريطاني هومي بابا.

المونديال لا يعمل لدمج الهويات أو توسيع قاعدة القبول بالتنوع بشكل حقيقي وعميق، بعيداً عن الاحتفالية والاستعراض، هو فقط يتحول إلى واجهة تخفي مؤقتاً التوترات الاجتماعية، وتمنح انطباعاً مؤقتاً بأن المجتمع تجاوز انقساماته، لنتذكر أنه عندما فازت فرنسا بكأس العالم 1998 بقيادة زين الدين زيدان «من أصل جزائري» بتشكيلة متعددة الأعراق، رُوِّج وقتها لـ ”فرنسا الجديدة“ المتصالحة مع التنوع، لكن تبيّن بعد سنوات أن هذا الاحتفاء كان قشرة خارجية، إذ لم يغير الفوز الرياضي من واقع التهميش الذي تعيشه الضواحي الباريسية التي يقطنها المهاجرون.

في الإطار الثقافي، قد يتحول المونديال إلى مرآة تكشف ”ازدواجية المعايير الثقافية“، للمجتمعات الحديثة تجاه الهوية والهجرة. فهو من ناحية يظهر كيف يمكن لكرة القدم أن تمنح المهاجر أرقى منصات المجد والاعتراف الإنساني، لكنها في الوقت نفسه تضعه تحت ضغط دائم، حيث تظل هويته ومواطنته معلقتين بـ ”شباك المرمى“؛ إن اهتزت بالهدف صار ابناً باراً للوطن، وإن أخطأتها تحول في نظر أصحاب الخطاب الإقصائي إلى ”الآخر“ الغريب.