وهم الاستحقاق المرتفع
يبرز في نسيج العلاقات اليومية نمط من السلوك البشري يتَّسم بالإفراط في تقييم الذات، حيث يضع البعض لأنفسهم مكانة عالية ومثالية لا تعكس الواقع، وغالباً ما تتشكّل هذه الحالة بفضل محيط يعزز هذه النظرة، سواء من العائلة أو الأصدقاء. بناءً على هذه المكانة المتوهمة، يبني هؤلاء الأشخاص توقعاتهم، وينتظرون من الآخرين أن يتعاملوا معهم وفقاً لهذا الاستحقاق المرتفع، مما يخلق فجوة عميقة بين ما يعتقدونه عن أنفسهم والطريقة التي يتعاطى بها المجتمع معهم.
ويلعب الأقران والمحيطون دوراً محورياً في تغذية مسألة توهم مستوى الاستحقاق. فالأقران، الذين يتخذون غالباً موقع المتفرج، يبدأون في الإطراء على الشخص عبر تسليط الضوء على الإيجابيات وحدها، وتضخيمها في كثير من الأحيان، مع غضّ الطرف تماماً عن نقاط الضعف والقصور. هذا الانحياز المستمر يدفع الشخص إلى النظر لنفسه بعين الرضا التام والكمال، في حين ينظر إلى غيره بعين الناقد المتوثب، الذي يترصد أي سلبية في الآخرين مهما كانت صغيرة ليبرر تفوقه الوهمي. وهذا في الواقع أمرٌ يضرُّ الشخص أكثر مما ينفعه.
وتتضح هذه الحالة في العديد من الأمثلة اليومية. فقد نجد رجلاً يعاني فقراً شديداً ولا يُظهر أي جدية في العمل على تحسين وضعه المادي، لكنه يجد حوله من يرفع معنوياته باستمرار، واصفاً إياه بأنه مثقف جداً، أو وسيم. هذه الإشادات تجعله ينظر إلى نفسه بوصفه فرصة ثمينة ومكسباً لأي فتاة، متجاهلاً متطلبات الواقع والتزاماته. والعكس ينسحب على بعض النساء، فعندما تتقدم امرأة في السن من دون ارتباط، وتُحاط بمن يغدق عليها المديح بأنَّها فائقة الجمال، وأنَّه لا يمكن تخمين عمرها الحقيقي من النظرة الأولى، وأنَّ عمليات التجميل التي أجرتها لا يمكن ملاحظتها؛ فإنَّها تعيش هي الأخرى في شرنقة الاستحقاقية الوهمية، وترفع سقف توقعاتها ومطالبها بما يتعارض مع معطيات الواقع.
وهنا يجب التمييز بوضوح بين تقييم الذات بشكل منصف وصحي، ومن يسجن نفسه في وهم التميز المطلق. التقييم المنصف يتطلّب شجاعة الاعتراف بالقصور ومحاولة إصلاحه، في حين أن الغرق في وهم الاستحقاق يقود صاحبه تدريجياً إلى الصدام مع محيطه والشعور الدائم بالظلم، وقد يصل به الأمر إلى مراحل متقدمة من ”البارانويا“، حيث يعتقد أنَّ المجتمع يستهدفه أو يغار منه ولا يقدّر قيمته الحقيقية، لمجرد أنَّ الآخرين لم يتعاطوا مع مكانته التي رسمها في مخيلته.
في نهاية المطاف، تظل مشكلة الاستحقاق الوهمي أزمة ناتجة عن غياب الموضوعية، وغياب القدرة على وزن الأمور بميزان الاعتدال بعيداً عن مبالغات المداحين وانحيازات النفس. وهو ما يعيدنا إلى عبقرية الوصف وعمق التشخيص حين نستحضر بيت الجواهري الخالد:
يا نديمي: ولم أجدْ نَصَفا
أعوز الناسَ كلَّهم نَصفُ













