القديس خالد والشيخ ديفيد
جلبتني الأقدار لأن أخوض تجارب العيش، ولعدة شهور أو سنين، في مدن مختلفة حول العالم الشرقي والغربي. وإحدى تلكم التجارب كانت العيش في مدينة تَحمِلُ جُلُّ شوارعها أسماء قديسين، مثل القديس لوران «Saint Laurent» أو القديسة كاثرين «Sainte Catherine».
وكان الانطباع الأول في الأيام الأولى بالعيش بتلكم المدينة هو أن جُلَّ سكانها يتمتعون بروح الالتزام الروحي، والتسامح العالي، والإنسانية المرهفة، والأخلاق المحمودة في التعامل، والنظافة، واحترام الإنسان للإنسان.
ويومًا بعد يوم، وبعد التعامل مع عدد ليس بالقليل من سكان المدينة من شتى الأعراق والأوطان والأقليات، تكشفت لديَّ حقائق تنم عن تناقض فَجٍّ في تعاملات بعض أفراد المجتمع؛ سواء عند إجراء معاملة، أو الاتصال لطلب صيانة سكنٍ ما، أو ما بعد إبرام عقد الإيجار للسكن، أو… أو… إلخ.
فالواقع برهن لي أن التعامل مبني عند البعض على الخوف من عقوبة القوانين الرادعة أو السمعة التجارية للمحل. ولذا أنصح بأنه يجب توثيق كل بنود وتفاصيل الاتفاقيات كتابيًا ضمن بنود العقود قبل التوقيع عليها. وأيضًا توثيق أي محاورة أو حادثة أو استفزاز أو نعرة بالتصوير فيديوًا، لا سيما إذا أوجست خيفة ممن هم أمامك، أو أوجست احتمال تطاول أو اعتداء أو تهكم أو تهديد أو شتم أو ابتزاز أو أقوال عنصرية منهم ضدك.
نعت «قديس» ليس نعتًا متداولًا أو معروفًا في الوسط الاجتماعي الذي رُبِّيت وترعرعت فيه، إلا أن أقرب نعت يشبهه، وحسب المفردات المعروفة لدينا، هو الحواريون. كما أن أقرب نعت موازٍ للحواريين في ثقافتي الأساسية هو نعت مقارب يُطلق على من جالس النبي ﷺ أو اتبعه بإحسان، ولكن بنعوت ومسميات أخرى.
حوار 1: اذهب لبلادك «انقلع»
ذات يوم حدث أمام ناظري شجار بالشارع العام بين رجل من أهل المدينة «الرجل الأول» ورجل آخر كان جالسًا مع عائلته، وهو ممن قدموا من أعالي البحار طلبًا للأمن وهروبًا من الحروب.
وفي ذروة احتدام الشجار بينهما، أشار الرجل الأول نحو الرجل الثاني بإصبعه، ووجهه غاضب، وصرخ مزمجرًا فيه بصوت عالٍ: «اذهب إلى بلادك «Go Home».»
فرد عليه الرجل الثاني: «بلادي قصفتموها أنت وأبناء عمومتك، وأصبحت خربة، وجففتم خيراتها؛ وأتيت هنا طلبًا للأمان وهروبًا من القذائف وشظف العيش، وحماية لأفراد أسرتي، وأتيت بناءً على أوراق رسمية، واستئناسًا بما أظهرت إعلانات بلادك لنا عن الكرامة الإنسانية، والحرية، والعدالة، والديمقراطية، والتعايش السلمي الكريم؛ ولأني لم أعد أستطيع العيش في موطني الأصلي، قدمت هنا طبقًا للقوانين.»
هذه اللقطة قد تكررت أمامي بقوالب مشابهة، وأفصحت عن مكامن خلل قوية بين الشعارات البراقة، والمسميات الجميلة، والعبارات المنمقة، والإعلام غير الشفاف من جهة، والواقع الأليم والمؤلم من جهة أخرى.
المعيشة في بعض المدن، حيث تكثر أسماء «القديسين» أو تكثر دور العبادة، ليست أمرًا ضامنًا لخلوها من سكان أجلاف.
حوار 2: قيمك ليست أفضل من قيمي
كنت مصطفًّا في طابور جوازات دخول إحدى الدول الغربية بعد هبوط الطائرة التي أقلَّتني، والقادمة من الدوحة إلى دولة التشيك الأوروبية. فتلكأ موظف الجوازات في إحدى الكبائن بسبب إجراءات التحقق من جوازات مسافر عربي من إحدى دول الخليج العربي مع عائلته، وكان قادمًا في ذات الرحلة الجوية التي كنت بها.
وفجأة ضاق أحد المصطفين ذرعًا، فقال بصوت عالٍ ومسموع: «أرسلوهم من حيث أتوا، فإنهم خطر علينا، وكلهم أر…».
كنت أراقب المشهد منتظرًا تحرك مسؤول أو أحد من إدارة الجوازات في تلكم الدولة الغربية لمعاقبة ذلك الشخص المعتوه، ولكن للأسف لم يحدث أيُّ شيء. فقرأت حينذاك جزءًا من المشهد الشعبي قبل الولوج إلى داخل البلد.
حوار 3: حوار ساخن
في مشادة كلامية، بعد أن شاهد أحد العنصريين رجلًا ملامحه شمال أفريقية يتوضأ في إحدى دورات المياه المنتشرة بالمجمعات التجارية، قال الشخص العنصري للرجل: «أنتم إرهابيون. اذهبوا إلى الجحيم.»
فرد عليه الرجل الآخر ذو البشرة السمراء: «أنتم أسوأ من ذلك كله.» واسترسل بالقول: «أنتم تتفاخرون بأن لديكم قيمًا مدنية وحضارة، فهل سألت نفسك يومًا كيف بنيتموها؟ ألم تبنوها باستعمار دول أخرى، ونهب ثرواتها، وقتل رجالها، أو عنوة أجبرتموهم على إعمار مدنكم، وإنشاء طرق السكك الحديدية، والجسور، والأنفاق؟
وأي قيم تؤمنون بها، وتروجون لها، وتتكلمون عنها؟ الشذوذ الجنسي، والاعتداء على الأطفال ”البيدوفيليا“، وعبادة الشيطان، والترويج للتعري الجسدي الفاضح للمرأة، واستغلال جسد المرأة، ونهب ثروات الآخرين بعناوين براقة.
هل سألت نفسك من أضرم الحروب العالمية الكبرى؟ أو من أسس للفاشية والعبودية، وحتى النازية؟ أو من يسعى لتحقيق نظرية التفوق البشري؟ أو من يؤمن بنظرية ضرورة إنقاص أعداد البشرية بالتصفية تارة، وبالحروب تارة، وبنشر الوباء المتعمد تارة أخرى؟ أو من استغل أفريقيا وأجزاءً من آسيا وثرواتها؟
أنت مغرور ومغرر بك، ولم تفهم حقيقة ما دار ويدور حولك.»
فرد الشخص العنصري بكل غرور: Fxxk You, وكان إصبعه الأوسط يشير إلى الأعلى، ثم انصرف بعيدًا عن الرجل الأسمر، دون الاهتمام بما قيل له، ودون الاكتراث بمشاعر من كانوا في ذات المكان.
لاحقًا علمت بأن الرجل الأسمر يحمل شهادة دكتوراه في العلوم الاجتماعية والاقتصادية.
في عالم الاحتقانات وسلاح التضليل الإعلامي ضاعت وتضيع، وأُخفيت حقائق كبرى، ويُغرَّر بأناس كثر، ويُعاد تشكيل أفكارهم وقناعاتهم وأنماط حياتهم وقيمهم.
ومع عدم وجود وعي وثقافة محقة وصناع محتوى مرموق، ضاع ويضيع البعض، لا سيما المراهقين والشباب، بالارتماء في أحضان تيارات فكرية مختلفة، ومنها، على سبيل المثال لا الحصر، البهائية.
والبعض قد اعتنق الأفكار البهائية دون إدراك منه، ولكن استحسانًا لبعض العناوين البراقة. والواقع أن بعض تلكم العناوين البراقة مصداق للحملة: «كلمة حق أُريد بها باطل».
مع هكذا تراكمات وتصادمات حضارية، وحروب على مدى عقود من الزمن، ظهر في القرن التاسع عشر شخص ادعى دينًا جديدًا تحت اسم بهاء الدين «البهائية»، وهو انشقاق عن دعوة لدين جديد يومذاك اسمه البابية «الباب».
وأصدر بهاء الدين كتابًا أسماه «الأقدس»، وكتابًا آخر اسمه «الإيقان»، وجعل أتباعه يصلون باتجاه مدينة عكا، ويصومون بطريقة خاصة مدة 19 يومًا حسب تقويم الاعتدال الربيعي.
ومفاد تلكم الديانة أن الأديان مصدرها واحد، وعليه يجب العمل على خدمة كامل المجتمع البشري دون أي خصوصية لأي ديانة، وبالتالي إلغاء الأديان السابقة، واعتماد الديانة البهائية كآخر ديانة، وبهاء الدين كآخر نبي.
والواقع أن في هذا الادعاء مغالطات وتقاطعات، وإن كان أتباعه يدَّعون وحدانية الرب، ووحدانية الأديان، ووحدانية الجنس البشري.
فالشعارات براقة في موضوع العيش الكريم للجميع؛ لأنها جلبت انتباه ضحلي البصيرة العقائدية، ومن تنطلي عليهم خدع الشعارات، فأخذ البعض يردد ما يسمع دون أن يفقه ويقرأ ما يهدف إليه الدين البهائي من تذويب شخصية الضحية لصالح الجلاد، ودون إدراك لما قد تؤول إليه الأمور، وأن تلكم ديانة مخالفة للأديان السماوية.
فكيف تستقيم فكرة مساواة المجرم بالضحية، وإخراج القرآن الكريم من محورية التشريع، وإعطاء رجل حق الاجتهاد أمام النصوص الإلهية؟ وكيف لهم أن يجرؤوا على إلغاء بعض آيات القرآن وأحكامه، ولا يجرؤون على انتقاد رجال دينهم؟
ويُقال بأن مؤسس البهائية في أصله كان منشقًّا عن الديانة البابية، وهو قس من مدينة رشت، والله أعلم بصدق تلكم الرواية.
فأضحى القس أو القديس صاحب دين جديد اعتنقه من ضاق ذرعًا من واقعه، ويريد العيش مع جلاده، ومغتصب أرضه، وناهب ثرواته.
القارئ المتعمق للمشهد الثقافي في أي مجتمع يستطيع أن يقرأ بوضوح نسبي أو كلي، ويضع يده على مكامن التغلغل عبر بعض المحافل، والأندية، والديوانيات التي تروج لبعض الأفكار التي منبعها بهائي أو ماسوني أو إلحادي، تحت أي غطاء أو شعار براق.
وحينذاك يجب وضع علامات استفهام على تلكم القنوات، والمجالس، والديوانيات، والمحافل، والأندية، في تمحيص دعواتهم غير المعلنة للديانة البهائية أو الماسونية، حتى لو كانت بعناوين إنسانية براقة، أو حرية التعبير عن الرأي، أو النقد التكسيري «نقد انحيازي».
فأصبح في هذا الزمان، ولا تستغرب، شخص يحمل اسمًا مثل خالد؛ فخالد يلبس قلنسوة قديس، وهو شيطان، وأضحى ديفيد يلبس جبة شيخ، وهو شيطان.
فأضحى خالد مطية، وأضحى ديفيد أيضًا مطية، ويؤدي كل منهما مهمة مطلوبة منه من جهات، الله أعلم بما تنوي وتريد من البشرية.
والضحية هو الشخص المنعدم الوعي، أو فقير الوعي، والناعق مع الناعقين دون إدراك منه بما قد تؤول إليه الأمور.
الجميع عليه مسؤولية في حفظ القيم الصحيحة ونشر العدالة، وليس فقط أشخاص محددون كالعلماء، والفلاسفة، والمحققين، والمفكرين الأوفياء.
فربُّ الأسرة وربتها عليهما مسؤولية في توضيح وشرح المفاهيم الإسلامية الرصينة، وتقوية عضلات النقد البناء في عقول الأبناء، وحسن التعامل مع الجميع، وتقوية روح الحوار، واحتضان أفراد المجتمع.
وكذلك المدرس، والموظف، والمقاول، والبقال، وكل شخص في المجتمع، عليه أدوار متعددة في حفظ الحقيقة، ونشر العدل، والتعامل بأخلاق فاضلة، وحسن التعامل، والتحبب إلى الناس، وترك الجلافة، ونبذ الصلافة، والابتعاد عن الغرور.














