آخر تحديث: 23 / 7 / 2026م - 11:54 م

الحلقة الأولى

زيارة تسع ساعات… من طبيب النفوس إلى سيد الشهداء

رضي منصور العسيف *

تنبيه:

تستند هذه القصة إلى واقعةٍ حقيقية في أصلها، أما بعض التفاصيل والمشاهد الحوارية فقد صاغها الكاتب بتصرّفٍ أدبي؛ خدمةً للسرد، وتعميقًا للأثر الإنساني والروحي للقصة.


كانت زينب جالسةً في غرفتها، تحتضن بين يديها صورةً قديمةً التُقطت لها في كربلاء. راحت تتأملها طويلًا، وعيناها تتنقلان بين القبة الذهبية والسماء الممتدة فوقها، كأنها تحاول أن تتجاوز حدود الصورة، وتعبر بروحها إلى رحاب الحسين .

مرّرت أصابعها على أطراف الصورة، ثم همست بصوتٍ أرهقه المرض، وأثقله الشوق:

— كم أتمنى أن أذهب للزيارة...

انحدرت دمعةٌ هادئة على خدها، ثم لحقتها دموعٌ أخرى، كأن الحنين الذي ظلّ حبيسًا في قلبها وجد أخيرًا نافذةً يطل منها.

في تلك اللحظة، دخل أخوها حسين الغرفة. وما إن وقعت عيناه على دموعها حتى أسرع نحوها، وقال بقلق:

— عافاكِ الله يا أختي العزيزة... هل تشعرين بألم؟ هل آخذك إلى المستشفى؟

رفعت زينب عينيها إليه، وكانت الدموع تملؤهما، ثم قالت بصوتٍ مرتجف:

— لا تأخذني إلى المستشفى... خذني إلى هناك.

وأشارت بيدها إلى الصورة.

تبع حسين إشارتها، وحين رأى صورة كربلاء، انعقد لسانه للحظات، ثم قال متعجبًا:

— إلى هناك؟ إلى كربلاء؟!

لم يستطع أن يكمل جملته. ظلّ ينظر إلى الصورة، ثم إلى وجه أخته الشاحب، قبل أن يقول برفق:

— لكن يا زينب، كربلاء في هذه الأيام شديدة الازدحام، وأنتِ لا تستطيعين المشي بين الجموع. أخشى أن تتعبي، أو تزداد حالتك سوءًا.

ساد الصمت بينهما.

لم يكن يُسمع في الغرفة سوى أنفاس زينب المتثاقلة، بينما بقيت عيناها معلقتين بالصورة، كأن قلبها سبق جسدها إلى هناك، ووقف منذ زمن عند باب الحسين.

جلس حسين إلى جوارها، ثم قال محاولًا أن يفتح في حزنها نافذةً من الرجاء:

— ما رأيك أن نذهب لزيارة الإمام الرضا ؟ نذهب إلى طبيب النفوس... إلى الإمام الرؤوف. هناك المساحات أوسع، والظروف أنسب لحالتك الصحية، وسنستطيع أن نرتب لكِ كل ما تحتاجين إليه.

رددت زينب بحزنٍ موجع:

— حالتي الصحية... آهٍ يا حالتي!

ثم نظرت إلى أخيها نظرةً طويلة، وقالت:

— أخي العزيز، أريد أن أختم عمري بزيارة... ألم يقل الأطباء إن ما بقي من العمر قليل؟

صمتت لحظات، وكأنها تستجمع ما بقي في قلبها من قوة، ثم أضافت بصوتٍ خافت:

— أريد أن أختم أيامي هناك.

أسرع حسين ووضع يده على فمها، وقال بصوتٍ اختلط فيه العتاب بالخوف:

— لا تقولي هذا يا زينب... الأعمار بيد الله، لا بيد الأطباء. وستبقين معنا بإذن الله.

مسح دموعها برفق، ثم أدار وجهه قليلًا كي يخفي دمعةً خانته، قبل أن يعود إليها مبتسمًا:

— لم تجيبي عن سؤالي... هل نذهب إلى الإمام الرؤوف؟

نظرت إليه زينب طويلًا، ثم هزّت رأسها بالموافقة. وفي تلك اللحظة، ارتسمت على وجهها ابتسامةٌ صغيرة، بدت كأنها أول خيط نورٍ يشق ليلًا طويلًا من الألم.

ابتسم حسين، ومسح دموعه سريعًا، وقال بنبرةٍ أعادت الدفء إلى الغرفة:

— إذن سأبحث الآن عن أقرب رحلة... كوني جاهزة يا زينب.

أعادت زينب النظر إلى صورة كربلاء، ثم ضمّتها إلى صدرها وهمست:

— لعلّ الطريق إلى الإمام الرضا يطفئ شيئًا من هذا الشوق... ولعلّ الإمام الرؤوف يحمل سلامي إلى الحسين.

خرج حسين من الغرفة، وبدأ يبحث بين الرحلات المتاحة، يتنقل من موعدٍ إلى آخر، وقلبه معلقٌ برجاء أن يجد طريقًا قريبًا يخفف به عن أخته ألمها.

وبعد بحثٍ طويل، وجد رحلةً متجهةً إلى مشهد في مساء اليوم التالي.

نهض مسرعًا، ونادى أخته بصوتٍ غلبت عليه الفرحة:

— زينب... الرحلة غدًا مساءً! كوني جاهزة.

انفرجت أساريرها، وأضاء وجهها الشاحب فرحٌ مفاجئ، كأن الإمام الرضا قد فتح لهما باب القبول، ومدّ إليهما من بعيد يد الرحمة.

قال حسين وهو يراقب سعادتها:

— هيا، جهزي حقيبتك، ولا تنسي التقارير الطبية. قد نحتاج إليها أثناء الرحلة.

نظرت إليه زينب بثبات، وقالت:

— لن أحمل معي أي تقرير.

تعجب حسين وقال:

— وكيف ذلك؟ قد يحتاج الأطباء إلى معرفة تفاصيل حالتك.

وضعت زينب يدها على صدرها، وقالت بصوتٍ امتلأ باليقين:

— أنا ذاهبة إلى أفضل الأطباء... لن أحمل معي أي تقرير.

ثم اختنق صوتها بالعبرة، وأضافت:

— هو أعرف بحالي... وأعلم بما في قلبي، قبل أن يقرأ ما كتب الأطباء في أوراقهم.

تأملها حسين لحظات، ثم ابتسم وقال:

— كما تريدين يا زينب.

مضت الساعات سريعًا، وكأن الزمن نفسه كان يفسح لهما الطريق. أعدّ حسين كل ما تحتاج إليه أخته، بينما كانت زينب ترتب حقيبتها الصغيرة، وتضع فيها ثوب الصلاة، ومسبحتها، وبعض الأدعية، وصورة كربلاء التي لم تفارق يديها.

وحين أقبل موعد السفر، غادرا المنزل، وقلب زينب يسبق خطواتها إلى مشهد.

وبعد ساعات، وجدا نفسيهما جالسين في الطائرة.

جلست زينب إلى جوار النافذة، تحدق في الأفق بصمت، بينما كانت أضواء المدينة تبتعد شيئًا فشيئًا تحت جناح الطائرة.

أغمضت عينيها، وضمت مسبحتها بين كفيها، ثم همست:

— يا علي بن موسى الرضا... ها أنا قادمةٌ إليك، أحمل تعبي، وضعفي، وكل ما عجز الأطباء عن مداواته.

نظر حسين إليها، فرأى على وجهها سكينةً لم يرها منذ زمن.

كانت الطائرة تتجه إلى مشهد، لكن روح زينب كانت قد وصلت قبلها، ووقفت عند باب الإمام الرؤوف، تنتظر أن يؤذن لها بالدخول.

كاتب وأخصائي تغذية- القطيف