كفى ترهلاً... حين تفقد المؤسسات رشاقتها
تؤكد الدراسات الطبية الحديثة أن الجسد البشري لا يفقد كفاءته دفعة واحدة، وإنما يتراجع أداؤه تدريجيًا عندما تتراكم فيه عوامل الضعف والتدهور دون تشخيص أو علاج، وقد أثبتت الأبحاث والتجارب أن إهمال هذه المؤشرات المبكرة يقود مع مرور الوقت إلى انخفاض اللياقة البدنية، وضعف الكتلة العضلية، وظهور مظاهر الترهل، حتى يغدو الجسم أقل قدرة على الحركة والإنتاج، وأداء وظائفه الحيوية بالكفاءة المطلوبة.
ولذلك لا ينظر الأطباء إلى الترهل على أنه مجرد تغير في المظهر الخارجي، أو نتيجة طبيعية للتقدم في العمر فحسب، بل يعدونه في كثير من الحالات علامة على وجود خلل يستوجب التقييم والعلاج؛ لأن المشكلة الحقيقية ليست في شكل الجسد، وإنما في تراجع كفاءته وقدرته على الحركة والإنتاج.
وإذا كان هذا حال جسم الإنسان، فإن للمؤسسات أيضًا ترهلًا من نوع آخر، لكنه لا يظهر في مبانيها أو شعاراتها أو عدد موظفيها، بل يتسلل بصمت إلى الأنظمة والإجراءات والقرارات على هيئة تعقيدات بيروقراطية وإجراءات متكررة لا تضيف قيمة، حتى تفقد المؤسسة شيئًا فشيئًا سرعتها وقدرتها على الإنجاز.
ومن هنا، فإن الحديث عن الترهل المؤسسي ليس حديثًا عن مظاهر شكلية، أو عن حجم المؤسسة أو عن عمرها الزمني، بل عن مرض إداري صامت يستنزف الكفاءة ويهدر الموارد، ويضعف القدرة على تحقيق الأهداف.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا قلنا: كفى ترهلًا، ولم نقل، على سبيل المثال، كفى تسويفًا، أو كفى تبريرًا، أو كفى تجاهلًا، أو كفى انتظارًا؟ وما المقصود بالترهل المؤسسي؟ وما الفرق بينه وبين البيروقراطية؟ وهل كل مؤسسة كبيرة في الحجم أو متقدمة في العمر تعد مترهلة، أم أن الترهل حالة إدارية لها أعراضها وأسبابها ومؤشراتها الخاصة؟ وكيف يمكن علاجه قبل أن يتحول إلى مرض مزمن يهدد بقاء المؤسسة نفسها؟
وللإجابة عن هذه التساؤلات، ينبغي أن ندرك حقيقة جوهرية، وهي أن الترهل المؤسسي ليس مشكلة إدارية عابرة، ولا عرضًا من أعراض الخلل فحسب، بل هو الحالة التي تتولد عنها معظم الأعراض الأخرى؛ فالتسويف، والتبرير، والتجاهل، والانتظار، والبطء في اتخاذ القرارات، وتعقيد الإجراءات، وتضخم الهياكل التنظيمية، ليست في حقيقتها أمراضًا مستقلة، وإنما هي مظاهر متعددة لمرض واحد اسمه الترهل المؤسسي.
ومن هنا، لم يكن اختيار عنوان «كفى ترهلًا» اختيارًا لغويًا أو بلاغيًا فحسب، بل اختيارًا علميًا وإداريًا يقوم على منهج راسخ في الإدارة الحديثة؛ إذ لا ينشغل بمعالجة الأعراض الظاهرة بقدر ما يسعى إلى اكتشاف السبب الجذري الذي أوجدها، تمامًا كالطبيب الذي لا يعد ارتفاع درجة الحرارة مرضًا سطحيًا، بل مؤشرًا إلى خلل أعمق في الجسم، وكذلك المدير الناجح لا ينظر إلى بطء الإنجازات، أو حالات الغياب، أو تعقيد الإجراءات، أو تأجيل القرارات على أنها المشكلة الحقيقية، بل يسأل أولًا: ما الذي أنتج كل هذه المظاهر؟
الترهل المؤسسي هو حالة مرضية تصيب المؤسسات نتيجة تراكم الإجراءات، وتضخم الهياكل، والقرارات غير الضرورية، فتستهلك مواردها وطاقاتها دون أن تضيف قيمة حقيقية، تمامًا كإنسان يعيش بجسد سليم لكنه فقد رشاقته البدنية، فهو يتحرك ولكن ببطء، ويعمل ولكن بجهد مضاعف، ويصل إلى هدفه ولكن بعد أن يكون الآخرون قد سبقوه.
وكذلك المؤسسات المترهلة، فقد تمتلك قيادة جيدة، وكفاءات بشرية مؤهلة، وموارد مالية كافية، وتقنيات حديثة، وأنظمة متطورة، ومع ذلك تبقى بطيئة الحركة، متثاقلة في اتخاذ القرارات، ومحدودة الإنجاز. وقد لخص رائد الإدارة بيتر دراكر هذه الفكرة حين قال: «ليس هناك ما هو أكثر هدرًا من أن تنفذ بكفاءة عالية عملًا لا ينبغي القيام به أصلًا».
كثيرًا ما يخلط الناس بين البيروقراطية والترهل، ويظنون أنهما وجهان لعملة واحدة، بينما الحقيقة أن بينهما فرقًا كبيرًا؛ فالبيروقراطية في أصلها ليست مرضًا، وإنما نظام إداري وضع لتنظيم العمل، وتحديد المسؤوليات والصلاحيات، وضمان العدالة والشفافية، لكن مشكلتها في التطبيق، أما الترهل فهو حالة مرضية تصيب المؤسسات عندما تفقد حيويتها ونشاطها ورشاقتها وقدرتها على الإنجاز، فتتضخم الإجراءات، وتتراكم القرارات غير الضرورية، حتى تصبح المؤسسة أقل كفاءة في تحقيق أهدافها.
وقد يكون تطبيق البيروقراطية الخاطئ أحد أسبابه، لكنه حتمًا ليس السبب الوحيد، تمامًا كالفرق بين الدواء والجرعة الزائدة؛ فالدواء يعالج المرض، لكن الإفراط فيه قد يحوله إلى سم قاتل. ولعل أقرب مثال على ذلك قصة المريض الذي دخل إلى الطبيب يشكو ألمًا في صدره، فأجرى له الفحوصات اللازمة، ثم وصف له الدواء، وأوصاه بأن يتناوله حبة صباحًا وأخرى مساءً. وبدأ المريض يتعافى تدريجيًا، لكنه ظن أن زيادة الجرعة ستعجل له بالشفاء، فأخذ يضاعف كمية الدواء يومًا بعد يوم، حتى عاد إلى المستشفى في حالة أشد سوءًا من حالته الأولى، وبعد أن اطلع الطبيب على حالته قال له: «لم يقتلك الدواء، وإنما قتلك الإفراط فيه.» ولهذا، فإن المؤسسات الرشيقة لا تسعى إلى إلغاء الأنظمة، بل إلى تحريرها من كل ما علق بها من تعقيد لا يخدم رسالتها.
ومن الأخطاء التي تقع فيها بعض المؤسسات أنها تعالج الترهل بالذهاب إلى النقيض، فتظن أن التخلص من التعقيد يعني إلغاء الضوابط، أو أن سرعة الإنجاز تعني تجاوز الإجراءات، أو أن منح الصلاحيات يعني غياب المساءلة، وهنا تقع في خطأ لا يقل خطورة عن الأول؛ فالإدارة الناجحة لا تقوم على الإفراط، كما لا تقوم على التفريط، وإنما تقوم على التوازن.
فقلة الرقابة تفتح الباب للأخطاء، لكن المبالغة فيها تقتل المبادرة، والمركزية المفرطة تبطئ القرارات، لكن اللامركزية غير المنضبطة تشتت المسؤولية، وكثرة الاجتماعات تهدر الوقت، لكن انعدامها يضعف التنسيق، والإجراءات المحددة تحفظ جودة العمل، لكن تضخمها يحولها إلى قيود تعيق العمل نفسه. وقد أشار بيتر دراكر إلى هذه الحالة حين قال: «إن الإدارة ليست في القيام بالمزيد من الأعمال، بل في القيام بالأعمال الصحيحة».
في الطب، لا ينتظر الطبيب حتى يعجز المريض عن الحركة ليبدأ علاجه، بل يتدخل منذ ظهور المؤشرات الأولى: كارتفاع ضغط الدم، أو زيادة الوزن، أو ضعف اللياقة؛ لأن الوقاية، كما يقال، خير من العلاج، وكذلك المؤسسات؛ فالترهل لا يظهر فجأة، وإنما يبدأ بإشارات صغيرة كثيرًا ما تهمل أو يستهان بها، حتى تتحول مع الزمن إلى أزمة تهدد كفاءة المؤسسة، وربما بقاءها، كما تهدد حياة الإنسان.
ولذلك فإن علاج الترهل في المؤسسات يبدأ من خلال بناء ثقافة تنظيمية تراقب المؤشرات المبكرة، ولا تنتظر ظهور الأعراض المتأخرة، فعندما تتكرر الإجراءات، أو تتباطأ القرارات، أو تتراجع الإنتاجية رغم توفر الإمكانات، فهذه ليست مشكلات عابرة، أو حالات عارضة، بل إنذارات مبكرة تستوجب التدخل؛ فالمؤسسات لا تموت يوم يتوقف العمل فيها، بل تبدأ بالموت يوم تتوقف عن ملاحظة أعراض الترهل وهي ما تزال قادرة على العلاج.
في نهاية المطاف، يمكن أن نقول: ليست المشكلة الحقيقية في أن المؤسسات تواجه تحديات أو تمر بأزمات، فذلك أمر طبيعي تمر به جميع المؤسسات، وإنما تكمن المشكلة حين تعتاد التعايش مع مظاهر الترهل حتى تصبح جزءًا من ثقافتها اليومية؛ فالترهل المؤسسي لا يبدأ بانهيار كبير ومفاجئ، بل يبدأ بتأجيل قرار، أو بتبرير خاطئ، أو بإجراء لا قيمة له، حتى تتحول المؤسسة إلى كيان يستهلك الوقت والمال والجهد والطاقة أكثر مما ينتج.
إن الرسالة التي يسعى هذا المقال إلى ترسيخها هي أن قوة المؤسسات لا تقاس بحجمها، ولا بعدد موظفيها، ولا بكثرة أنظمتها ولوائحها، بل بقدرتها على تحويل مواردها إلى نتائج، وأفكارها إلى إنجازات، وخططها إلى أثر ملموس، وكل ما لا يضيف قيمة حقيقية فهو عبء ينبغي مراجعته، وكل ما يؤخر الإنجاز فهو ترهل ينبغي التخلص منه، وكل ما يستهلك الجهد والطاقة والوقت دون أثر فهو مرض إداري يستحق العلاج.
ولذلك فإن عنوان المقال «كفى ترهلًا» ليس دعوة إلى زيادة العمل، بل دعوة إلى إزالة كل ما يعطل العمل، وليس دعوة إلى بذل جهد أكبر، بل إلى توجيه الجهد نحو ما يصنع القيمة الحقيقية للعمل، وليس دعوة إلى إصلاح الأعراض، بل إلى معالجة الجذور.
فالمؤسسات العظيمة ليست تلك التي تضيف المزيد من الإجراءات كل يوم، وإنما تلك التي تعرف ماذا يجب أن تتوقف عنه، وما ينبغي أن تستغني عنه، وما يجب أن تزيله لتستعيد خفتها ورشاقتها وقدرتها على الإنجاز.













