أُحِبُّ ديرتي... الشويكة
ذلك الطريق الضيق الذي نطلق عليه في لهجتنا الشعبية اسم «الزَّرنوق»، لا يزال في ذاكرتي نابضًا بالحياة، كأن السنوات لم تمرَّ عليه، وكأن خطوات طفولتي ما زالت تتردد بين جدرانه القديمة.
كان ممرًّا رئيسيًا أعبره كلما أرسلتني العائلة إلى بقالة سعيد الزوري «أبو حسين»، المطلة على شارع الملك عبدالعزيز، لأشتري بعض مستلزمات وجبة العشاء: خبزًا، وبيضًا، وجبنًا، ولبنًا.
لم أكن أمرُّ فيه بهدوء؛ بل كنت أركض بين أطرافه، وأقفز بحماس، متخيلًا نفسي مثل عدنان، بطل المسلسل الشهير «مغامرات عدنان»، أتنقل بخفةٍ وشجاعة، وكأن ذلك الممر الضيق عالمٌ واسعٌ مليء بالمغامرات.
واليوم، وبعد مرور أعوام طويلة، لا أزال أعبر هذا الزرنوق حين أذهب إلى بيت عمي، والد زوجتي. وكلما دخلته، شعرت بأنني لا أسير في طريقٍ عادي، بل أعبر بوابةً صغيرةً تقودني إلى طفولتي.
لا يزال المكان متمسكًا بشيءٍ من تاريخه؛ المنازل ذاتها، وإن امتدت إليها يد الصيانة والتجديد، والممر بالعرض نفسه، لا يتجاوز ثلاثة أمتار تقريبًا. تغيرت الوجوه، ومضت السنون، لكنه بقي شاهدًا صامتًا على حكاياتٍ كثيرة، وعلى أجيالٍ عبرته ثم رحلت.
ولهذا أقول بكل محبة: أُحِبُّ ديرتي.
أحبها لأن في طرقاتها ذكرياتي، وفي بيوتها ملامح أهلي، وفي زواياها أصوات طفولةٍ ما زالت حيّةً في داخلي. أحبها لأنها ليست مجرد أرضٍ وبيوت، بل جزءٌ من هويتي، وصفحةٌ من كتاب عمري لا يمكن أن تُمحى.
لكن يبقى السؤال الأهم: كيف ننقل هذا الشعور إلى الجيل الجديد؟
كيف نخبرهم أن هذا الممر الضيق ليس مجرد طريقٍ بين منزلين، بل ذاكرةٌ نابضة، ومسرحٌ لطفولةٍ كاملة، وشاهدٌ على حياةٍ اجتماعية كانت أكثر قربًا وبساطةً ودفئًا؟
كيف نجعلهم يدركون أن الأزقة القديمة لا تُقاس باتساعها، بل بما تختزنه من حكايات، وأن قيمة المكان لا تكون في حداثة بنائه، وإنما في الأثر الذي يتركه في النفوس؟
لقد بقيت الديرة صامدة، رغم رحيل كثيرٍ من كبار السن، ورغم غياب بعض شبابها الذين ابتعدوا عنها أو غيّبهم الموت. بقيت بجدرانها وطرقاتها وذكرياتها، وكأنها تقول لنا: إن الأشخاص يرحلون، لكن أثرهم يبقى ما دمنا نحفظه ونرويه.
إن حب الديرة لا ينبغي أن يكون حنينًا عابرًا إلى الماضي، بل مسؤوليةً تجاه الحاضر والمستقبل. نحفظ تاريخها، ونروي قصص أهلها، ونعلّم أبناءنا أسماء طرقاتها وبيوتها، ونغرس فيهم معنى الانتماء إليها.
فمن يعرف جذوره، يكون أكثر ثباتًا في مواجهة الحياة، ومن يحفظ ذاكرة مكانه، لا يضيع مهما ابتعدت به الطرق.
نحب ديرتنا؛ لا لأن كل شيءٍ فيها كامل، بل لأنها احتضنت بداياتنا، وشهدت خطواتنا الأولى، ومنحتنا الذكريات التي نستمد منها الدفء والقوة.
وحين نعود إلى أزقتها القديمة، فإننا لا نعود إلى المكان وحده، بل نعود إلى أنفسنا كما كنّا: أكثر بساطةً، وأكثر فرحًا، وأقرب إلى الناس والحياة.














