كلمات إيل
مرثية الرقوق: الحقيقة خلف قضبان الماسيون
كنت أظن أن السيفَ وحدَه هو اللصّ، حتى دخلت إلى الماوسيون [1] العظيم في الإسكندرية. لقد بنى البطالمة [2] أكبر دار للحكمة، لكنهم ملأوها بشيم لصوص البحار وقطّاعها. كانوا يصادرون المخطوطات من السفن كما يصادر السطرب [3] وثائق ملكية مناجم النحاس والحديد واليشب بحُجّة ”الضرورة“. تركوا لأصحاب الكتب نُسَخاً مزيفةً واحتفظوا بالأصل، تماماً كما تركوا لنا أختام وصاية كاذبة على أراضينا وسرقوا خراج الأرض. إنهم لا يكتفون باحتكار الحديد لصنع سيوفهم ولا يكتفون بالنحاس والقصدير لصنع دروعهم، بل احتكروا الحبر وقراطيس البردي ليصنعوا التاريخ الذي يبرّر لهم سرقاتهم. في الإسكندرية، يُسجن العقل بين جدران الماوسيون، وفي بابل [4] ، تُسترق الأنفس بهوى النفس وتقتطع الأراضي بجرّة قلم.
لقد أدركتُ حينها أن أخطر أنواع القيود ليس ما يُوضع في المعاصم، بل ما يُوضع في الأسطر. في بابل، رأيتُ كيف تُهدم الحقيقة بـ ”تراكم الرقوق“؛ حيث يضيع حقَّ الفلاح الأصيل في ركام عقودٍ يكتبها مخصيون لا يملكون ذرةً من شرف الأرض. لقد استبدلوا ”ناموس الفطرة“ بـ ”ناموس الحبر“، وصار القانون غابةً يحرسها الوكلاء المرتشون، حيث لا يهدف القانون لحماية الحقّ، بل لتغليفه بصيغةٍ شرعية تبيح النهب. إنهم لا يسرقون رغيف خبزك فحسب، بل يسرقون ”حقك في المطالبة به“ عبر شبكةٍ من التدوينات التي تجعل من السارق ولياً للأمر، ومن المسروق مارقاً على النظام.
وفي الإسكندرية، رأيتُ كيف يُحكِمون الحصار على ”الكلمة“. فالبردي الذي تخرجه مستنقعات النيل لم يعد يُباع لمن يطلب الحقيقة، بل صار محتكراً لمن يصوغ المديح. وبينما أقبض بيدي المرتجفة على هذه الأصول التي بين يدي، يداهمني خوفٌ مالح يحرّق حنجرتي. فمن يضمن لهذه الكنوز ألا تبتلعها عتمة المخازن أو تلوكها ألسنة النيران في ليلة غدرٍ قادمة؟ [5] إنني أحملُ في صدري قلقاً مريراً عن مصير هذا النور الذي أستأمنني عليه القدر: أهو شمسٌ ستشرق لتفضح سجونهم، أم هو محضُ رمادٍ ينتظر المحارق التي أُعدت لكل من قال ”لا“؟ أخشى أن يذوب هذا الحبر في ماء النيل قبل أن يقرأه من يستحق، أو أن يتحوّل إلى صمتٍ أبدي في دهاليز ”الماوسيون“ حيث يُسجن العقل ويُستعبد التاريخ. إن وجعي ليس على ما سُرق، بل على هذا ”النور“ الذي أكاد أسمع أنينه وهو يتلاشى تحت وطأة قراطيسهم المزيفة.
موقّع بيد: إيتانس الصغدي، الخادمِ في بلاطِ الغرباء، والعبدِ في حضرةِ الحكمةِ العدنانية. يا سيدي وقطبي: الرقوقُ في أماني ما دامت أنفاسي تترددُ في هذا القبو، والميثاقُ محفوظٌ بمددِك، حتى ينشقَّ اليمُّ بالحقِّ الذي بشّرت به













