آخر تحديث: 22 / 7 / 2026م - 12:47 ص

”چريم العين“

علي البحراني *

فيه فرق بين الواحد اللي يشغل مخه، والواحد اللي يأجره للغير ويكتفي بدفع الإيجار آخر الشهر.

الأول إذا سمع فكرة سأل: ”ليش؟“ و”شلون؟“ و”وين الدليل؟“ أما الثاني فيسأل: ”من قالها؟“ فإذا قالها شخص يلبس اللباس المتدين، أو يملك اللحية المناسبة، أو يحمل اللقب المناسب، خلاص صارت عنده حقيقة كونية لا يجوز الاقتراب منها إلا بغسل وضوء كامل.

عقل المفرد الواعي يشبه واحد يمشي وفي يده كشاف، يدور على الطريق بنفسه. أما عقل القطيع الخرافي، فيشبه جماعة يمشون وراء بعض في الظلام، وكل ما طاح واحد في حفرة قالوا: ”أكيد الحفرة فيها حكمة ما نعرفها!“

ومن أعجب إنجازات عقل القطيع أنه قدر يحول سوء الأخلاق إلى فضيلة. فإذا شاف واحد متجهم الوجه، عابس كأنه شايل هم الكرة الأرضية كلها، قالوا: ”ما شاء الله عليه، وقور.“ وإذا شاف واحد يعامل الناس بفوقية، وكأنه المدير التنفيذي للجنة توزيع الجنة والنار، قالوا: ”عنده هيبة.“ وإذا شاف واحد قليل احترام للناس، سريع الشتم والتخوين والإقصاء، قالوا: ”هذا ثابت على المبدأ.“ وكأن الأخلاق صارت مرضًا ينبغي الشفاء منه.

عقل المفرد الواعي يستغرب، ويقول: من متى صارت الغلظة دليل حق؟

ومن متى صار رفع الصوت برهانًا؟

ومن متى صار سوء الأدب شهادة حسن سيرة؟

لكن القطيع عنده قدرات خارقة في التدوير؛ يأخذ الرذيلة، ويغلفها بورق مقدس، ثم يبيعها للناس على أنها فضيلة موسمية.

في الحسا نقول عن بعض الناس: ”لو تعطيه وردة يحولها عسقة.“ هذا، بالضبط، وصف بعض عقول القطيع. الدين عنده يتحول إلى معركة، والاختلاف يتحول إلى خيانة، والنقاش يتحول إلى قضية أمن دولة. وإذا ابتسمت للناس قالوا: ”متساهل.“ وإذا احترمت المختلف قالوا: ”مميع.“ وإذا استخدمت عقلك قالوا: ”فيه شيء مب طبيعي.“

الطريف أن القطيع يحب الأخلاق جدًا… بشرط أن يمارسها الآخرون فقط. هو يريد منك الصبر عليه، لكنه لا يصبر عليك. يريد منك حسن الظن به، لكنه يسيء الظن بك قبل أن تكمل الجملة. يريد منك الاحترام، لكنه يتعامل معك وكأنه حصل على امتياز حصري لإهانة البشر.

وعقل المفرد الواعي كل يوم يكتشف مفاجأة جديدة. يكتشف أن بعض الناس لا يبحثون عن الحقيقة، بل يبحثون عن جمهور يصفق لهم. وأن بعضهم لا يريد الفضيلة، بل يريد الشعور بأنه أكثر فضيلة من غيره. والفرق كبير بين من يحمل الأخلاق، ومن يحمل لافتة مكتوبًا عليها ”الأخلاق“ ثم يستخدمها لضرب الناس.

أخطر ما في عقل القطيع التلقيني أنه لا يكتفي بالخطأ، بل يريد منك أن تشاركه فيه. فإذا رفضت قال لك: ”كل الناس تسوي كذا.“ وكأن كثرة الفاعلين تحول الخطأ إلى صواب. لو كان العدد معيار الحقيقة، لكانت الأرض إلى اليوم مسطحة، ولكان كل وهم قديم ما زال جالسًا على عرش المعرفة.

لذلك يبقى عقل المفرد الواعي مزعجًا للقطيع؛ مو لأنه يملك كل الإجابات، بل لأنه يجرؤ على السؤال. والقطيع يخاف من السؤال أكثر مما يخاف من الجواب؛ فالسؤال ممكن يهدم أسطورة بُنيت خلال مئات السنين، بينما التصفيق يحافظ عليها بالمجان.

وفي النهاية، يا خوي، إذا شفت واحد يحاول يقنعك أن الوقاحة شجاعة، وأن التكبر عزة، وأن قلة الاحترام ثبات على المبدأ، فاعرف أنك مو داخل درس أخلاق… أنت داخل معرضًا لتدوير الرذائل وتحويلها إلى فضائل مستعملة. والسلعة الوحيدة المطلوبة هناك هي عقلك. فإذا سلمته لهم، خرجت من المعرض وأنت تظن أن سوء الخلق بطولة، بينما هو في الحقيقة مجرد سوء خلق… لكن بتغليف فاخر.