آخر تحديث: 22 / 7 / 2026م - 12:47 ص

أحمد... حارس الوقت

رضي منصور العسيف *

لم تكن علاقة أحمد بالوقت علاقةً عادية، بل كانت علاقةً متجذّرةً في أعماقه، حتى ليُخيَّل إليك أن في داخله ساعةً خفيةً لا تتوقف عن إصدار التنبيهات!

كان يردّد دائمًا:

— الوقت هو الحياة.

وحين يسأله أحدهم:

— ولماذا أنت دقيقٌ إلى هذه الدرجة؟

يجيبه بنبرة الواثق الذي اكتشف سرَّ الكون:

— لأن الدقيقة التي تذهب لا تعود، وأنا لا أحب توديع الدقائق بلا فائدة!

كان الوقت عند أحمد التزامًا لا يقبل المساومة؛ ولذلك كان شديد الحرص على الحضور إلى العمل في موعده. وحين يتذمّر بعض زملائه من نظام بصمة الحضور والانصراف، ويبدؤون في سرد معاناتهم مع الجهاز، يقول لهم مستغربًا:

— ولماذا كل هذا التذمر؟ هذا انضباطٌ والتزام. لقد وقَّعتَ عقدًا على ساعاتٍ محددة في اليوم، وعليك أن تلتزم بها.

فينظر إليه زملاؤه نظراتٍ طويلة، وكأنهم يقولون في أنفسهم:

— الحمد لله أنك لست موظف المتابعة، وإلا لتحولت رواتبنا إلى قائمةٍ طويلة من الخصومات!

ولم يكن أحمد يتعامل مع الوقت بهذه الصرامة في العمل وحده، بل كان هذا الانضباط يرافقه في سائر شؤون حياته. فهو لا يحب أن تتغير خططه بسبب تأخر أحد أفراد العائلة، ولا يحتمل أن يتحول موعد الخروج إلى اقتراحٍ قابل للنقاش!

فإذا اتفق مع أسرته على مغادرة المنزل في الخامسة مساءً، للذهاب إلى أحد المجمعات التجارية، بدأ الاستعداد قبل الموعد بوقتٍ طويل. وعند الرابعة وأربع وخمسين دقيقة، يقف قرب الباب ممسكًا بمفاتيحه، وينظر إلى الساعة كل بضع ثوانٍ.

وعند الرابعة وسبع وخمسين دقيقة، يبدأ جولته التفقدية:

— هل الجميع جاهز؟

وعند الرابعة وتسع وخمسين دقيقة، يرتفع صوته قليلًا:

— بقيت دقيقة واحدة!

فإذا جاءت الخامسة ولم يخرج أحد، أعلن حالة الطوارئ:

— لقد تأخرنا!

فيرد عليه أحد أفراد العائلة بهدوء:

— ما زال هناك متسعٌ من الوقت، فلماذا كل هذه العجلة؟

عندها يتجمّد أحمد في مكانه، وتتسع عيناه دهشةً، وينظر إلى الساعة ثم إلى المتحدث، وكأنه سمع للتو رأيًا يقترح إلغاء الزمن من الحياة!

ويقول بصوتٍ حاول أن يجعله هادئًا، لكنه خرج محمَّلًا بالاحتجاج:

— متسعٌ من الوقت؟! لقد حددنا الخامسة، والآن الخامسة ودقيقتان! الدقيقتان بداية التأخير، والتأخير بداية الفوضى، والفوضى بداية انهيار الخطة كاملة!

لا يحب أحمد أن يتأخر عن مواعيده مطلقًا، بل يحضر غالبًا قبل الموعد بدقائق. حتى قال له أحدهم ذات مرة:

— أنت ملتزمٌ حدَّ الالتزام!

فأجابه أحمد بجدية:

— أنا لا أبالغ، أنا فقط أحترم الوقت.

وذات مرة، كان لديه اجتماع مهم عند الساعة العاشرة صباحًا، فوصل إلى القاعة قبل الموعد بنصف ساعة، وجلس في الصف الأول، ورتّب أوراقه، وأغلق هاتفه، ثم أخذ يتأمل الباب منتظرًا وصول بقية الحاضرين.

مرّت عشر دقائق، ثم عشرون، ولم يحضر أحد.

بدأ أحمد يشعر بشيء من الاستغراب، وقال في نفسه:

— يبدو أن مفهوم الالتزام يحتاج إلى دورة تدريبية عاجلة!

وبعد قليل، دخل أحد الموظفين إلى القاعة، فنظر إليه أحمد وقال معاتبًا:

— أين الجميع؟ لقد أوشك موعد الاجتماع أن يحين!

نظر الموظف إلى الورقة المعلقة على الباب، ثم قال مبتسمًا:

— الاجتماع غدًا يا أستاذ أحمد، وليس اليوم!

توقّف أحمد لحظة، ونظر إلى ساعته، ثم إلى الورقة، ثم جمع أوراقه بهدوء وقال:

— لا بأس... المهم أنني لم أتأخر!

ثم غادر القاعة محافظًا على هيبته، بينما كان الموظف يحاول جاهدًا أن يخفي ضحكته!

وحين يرى أحمد أحد أبنائه مستغرقًا في اللعب وقتًا طويلًا، يقف أمامه قائلًا بحزم:

— كفى لعبًا، عليك أن تستثمر وقتك فيما ينفعك.

فينظر الابن إلى الساعة، ثم يقول:

— يا أبي، لم ألعب إلا نصف ساعة!

فيرد أحمد فورًا:

— نصف ساعة اليوم، ونصف ساعة غدًا، وبعد شهر تضيع منك خمس عشرة ساعة!

كان أحمد بارعًا في تحويل الدقائق الصغيرة إلى أرقامٍ مخيفة، حتى يشعر المستمع أن خمس دقائق من اللعب قد تهدد مستقبله الدراسي والوظيفي معًا!

ومع كل هذه الصرامة، لم يكن أحمد يكره الراحة أو الترفيه، لكنه كان يريد لكل شيء وقته المناسب؛ وقتٌ للعمل، ووقتٌ للأسرة، ووقتٌ للراحة، ووقتٌ للعبادة، ووقتٌ للترفيه.

فالوقت عند أحمد ليس مجرد عقارب تدور على وجه ساعة، بل أمانةٌ ينبغي حفظها، وعمرٌ يتناقص في هدوء.

وكان يؤمن بأن احترام الوقت لا يعني أن يعيش الإنسان أسيرًا للساعة، بل أن يعرف قيمة عمره، ويمنح كل لحظةٍ ما تستحقه من عملٍ أو راحةٍ أو اهتمام.

كاتب وأخصائي تغذية- القطيف