قصة جارتنا زهور الحساوي..
قبل خمسين عامًا فُجعت سيدة في ريعان الشباب، بوفاة زوجها الشاب في حادث سيارة. الشاب المتوفى هو فاضل عباس القلاف، من أسرة كريمة من أقربائنا، أمّا الشابة فهي جارتنا زهراء حسن الحساوي. ومما فاقم الخطب على الزوجة الشابة - حينها - ليس ترمّلها في عمر مبكر فحسب، وإنما اضطلاعها بمسؤولية روحين غضّتين حملت منذ تلك اللحظة عبء تربيتهما، وهما طفل في الثانية من العمر، وطفلة ما تزال تتحرك في أحشائها. زهور - كما يدعوها الجميع تحببًا - خاضت منذ ذلك الحين رحلة شاقة، كما سيأتي، حتى أغمضت عينيها للمرة الأخيرة يوم الخميس الماضي.
قصة زهور، بل مأساتها وتضحيتها، تكاد تكون كتابًا مفتوحًا كان أهل ”فريقنا“ شهودًا عليه. ومع ذلك، الله وحده أعلم بحجم العناء الذي كابدته، من رحيل شريك الحياة الشاب، وبقاء طيفه وذكرياته ماثلة أمام عينيها في تلك الروحين الصغيرتين.
إنّ تعرض أي شابة لمثل هذه المعاناة هو مدعاة للأسى البالغ دون شك، لا سيما إذا نشأت في أسرة محدودة الدخل، حتى حباها الله بما تحسدها عليه قريناتها في ذلك الزمن، ثم ما تلبث أن تعود بعدها مهيضة الجناح إلى بيت أهلها المتواضع، وفي حجرها رضيع يتيم!.
إلا أنَّ ذلك لم ينل من عزمها في تحقيق الأحلام التي وضعتها لنفسها. إن سيرتها تكشف بوضوح أن هذه النكسة الكبيرة في حياتها هي ما صقلت أعظم أحلامها، التي تمثلت في تربية ابنيها وخدمة الناس وخدمة أهل البيت. تلك الأحلام التي ربما رآها البعض شؤونًا عادية من شؤون الحياة، جسّدت في ناظريها هي الحياة برمتها؛ فطفلها ذو السنتين ”فائق“ أصبح رجلاً فائق الأخلاق والنضج، ”ولكلٍ من اسمه نصيب“، وأخته فاضلة لا تقل عنه شأنًا، فقد نالت تعليمًا عاليًا بدرجة الماجستير، وهي اليوم أخصائي أول علاج طبيعي، تخصص أطفال، علاوة على كونها أمًّا وربة منزل.
أما هدفها في خدمة الناس وإحياء أمر أهل البيت، بصفتها قارئة حسينية تعلمت القراءة في ”الكتاتيب“ قبل انتشار المدارس الحديثة، فقد بالغت الراحلة في تحقيقه على نحو فريد. ففي عصرٍ غدت فيه ”المادة“ معيارًا حاكمًا، لم يسلم من سطوتها حتى الساعون في مناكب العمل العبادي، إلا من رحم الله، كانت هي تقرأ ”العشرات تلو العشرات“ دون مقابل، وتحيي المجالس تلو المجالس على أرواح الموتى، استجابة لثكلى أو أرملة أو فاقدة لعزيز عليها، كل ذلك حبًّا وكرامة لأهل البيت.
وفي السياق نفسه، كثيرًا ما كانت تقوم، لوجه الله تعالى، بخياطة أردية الصلاة، ولباس ”الإحرام“ للحاجات المتوجهات للبيت الحرام، أما عن أمر الزواج من جديد فقد أصبح بالنسبة لها نسيًا منسيًّا، ضاربةً الصفح عن الخطّاب المتتابعين على بابها بين الحين والآخر.
وأختم بالقول إن الحاجة زهور التي تركت مثلاً عظيمًا للصبر والاستقامة والوفاء، اختارت طيلة حياتها أن تدوس على مشاعرها وتدفن أغلب آلامها وآمالها. إلا أنَّ هناك أملًا واحدًا، ووجعًا دفينًا، لم تتمالك إلا أن باحت به ذات يوم. فقد روت لي شقيقتي العزيزة حسناء، وهي من رفيقات زهور، أن الراحلة رأت فيما يرى النائم، أنها كانت في البيت الحرام ترقب الطائفين حول الكعبة المشرفة، فجاءها مَن طلب منها أن تمعن النظر مليًّا في الطائفين، فبينهم أحفادها - الذين لم يولدوا - من ابنها فائق، ففسّرت الحلم بعفويتها؛ بأن مشيئة الله جرت أن ترَ أحفادها في عالم الرؤيا، لأنها ستغادر الحياة الدنيا دون أن تراهم، وقد كان! يا لَلوعة الرؤى التي تذوي معها أعظم آمال الروح!!
ألف رحمةٍ ونورٍ عليك يا جارتنا الكريمة أم فائق، تغمدك الله بواسع الرحمة والمغفرة، وجعل قبرك روضة من رياض الجنة، وخلف على فاقديك، وألهمهم الصبر والسلوان.













