آخر تحديث: 20 / 7 / 2026م - 5:48 م

الصَّمْلَة.. حين يصبح الإصرار أسلوب حياة

باسم آل خزعل

هناك كلمات لا يمكن أن تُفسَّر بحروفها، بل تُفهم من خلال المواقف التي تصنعها. ومن أجمل تلك الكلمات في لهجتنا الخليجية كلمة «الصَّمْلَة»، فهي ليست مجرد لفظ يُقال، بل حالة يعيشها الإنسان، وقوة داخلية تدفعه إلى المضي قدمًا مهما اشتدت الصعاب، ومهما تعاظمت التحديات.

الصملة ليست عنادًا أعمى، وليست تمسكًا بطريق خاطئ، وإنما هي إيمان راسخ بالغاية، وعزيمة لا تنكسر، وإصرار يجعل صاحبه يواصل العمل حتى ينجز ما بدأه، ولو كلفه ذلك ساعات طويلة، وجهدًا مضنيًا، وعناء نفسيًا، واستنزافًا جسديًا، وربما خسائر مالية في سبيل الوصول إلى هدفه. فهو لا يشعر بالرضا إلا عندما يرى ثمرة جهده واقعًا أمامه.

هذه القوة الداخلية هي التي تصنع الفارق بين من يتوقف عند أول عقبة، ومن يحول العقبات إلى درجات يرتقي بها نحو النجاح.

فصاحب المشروع الناجح لا يبدأ رحلته بمحض الصدفة، بل يسبقها بدراسة جدوى، وتخطيط مالي وإداري، واستخراج التراخيص اللازمة، ثم ينطلق وهو يدرك أن الطريق لن يكون مفروشًا بالورود. تمر عليه الأزمات، وتواجهه الخسائر، لكنه لا يتراجع أبدًا، لأنه يحمل في داخله دافعًا قويًا يحثه على حماية مشروعه والمحافظة على استمراره، حتى يحقق النجاح ويجني ثماره.

الطالب المتفوق لا يبلغ القمة بضربة حظ، بل يشق طريقه بالمثابرة، ويجعل من كل ليلة سهر خطوة نحو حلمه، حتى ينال أعلى الدرجات، ويصل إلى الوظيفة التي رسمها في مخيلته منذ سنوات.

في غرفة العمليات يقف الطبيب الجراح أمام مسؤولية عظيمة، فلا يعرف للاستسلام طريقًا، بل يسخر علمه وخبرته وجهده لإنقاذ حياة مريض، ثم يتابع علاجه حتى يطمئن إلى تمام شفائه. إنها صورة أخرى من صور الصملة التي تمارس بصمت بعيدًا عن الأضواء.

ولعل أكثر صور الصملة تأثيرًا أولئك الذين يغتربون عن أوطانهم طلبًا للرزق. يتركون خلفهم آباءهم وأمهاتهم وأبناءهم، ويقضون سنوات طويلة بعيدًا عن دفء الأسرة، يتحملون مرارة الغربة ووحشة الأيام، لا حبًا في البعد، وإنما بحثًا عن حياة كريمة لمن يحبون. يدفعون من أعمارهم وأشواقهم ثمنًا لمستقبل أفضل، وتلك تضحية لا يعرف قيمتها إلا من عاشها.

إن الحياة لم تكن يومًا طريقًا مستقيمًا، بل هي مليئة بالمنعطفات، والعثرات، والإخفاقات. غير أن الفرق الحقيقي بين الناجحين وغيرهم، ليس في عدد مرات السقوط، وإنما في عدد مرات النهوض. فالناجح لا يهرب من الصعوبات، بل يتعلم منها، ويصحح مساره، ويواصل السير بإيمان بأن الوصول يستحق كل هذا العناء.

ومع ذلك، فإن الصملة الحقيقية لا تعني الاستمرار في الخطأ، بل تعني الثبات على الهدف مع المرونة في الوسيلة. فالحكيم هو من يراجع نفسه، ويغير خططه متى احتاج الأمر، دون أن يتخلى عن حلمه.

إن الأوطان لا تُبنى بالأماني، ولا تحقق الإنجازات بالرغبات وحدها، وإنما تنهض بسواعد رجال ونساء آمنوا بأن النجاح يحتاج إلى صبر وعمل وإصرار. فكل إنجاز عظيم بدأ بخطوة، وكل خطوة احتاجت إلى قلب لا يعرف اليأس.

الصملة رسالة تقول لكل من تعثر: لا تجعل الطريق يوقفك، بل اجعل إرادتك تقودك. فقد تتأخر في الوصول، وقد تدفع ثمنًا باهظًا من وقتك وجهدك ومالك، لكنك حين تصل ستدرك أن كل ما بذلته لم يكن خسارة، بل كان استثمارًا في صناعة ذاتك.

فالسؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا: هل نملك من الصملة ما يجعلنا نواصل السير حتى النهاية؟