متحف بحري في المنطقة الشرقية.. ذاكرة البحر للأجيال
سبق أن تناولنا في مقال سابق أهمية إنشاء برامج أكاديمية متخصصة، من بينها علوم البحار في جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل بالدمام. وقد حظي المقال المنشور في صحيفة «اليوم» بتاريخ 22/6/2023 م، تحت عنوان «تخصصات أكاديمية مهمة تحتاجها المنطقة الشرقية»، باهتمام عدد من الأكاديميين والمهتمين بالشأن الأكاديمي والتراثي. ومن بين المقترحات التي طُرحت آنذاك الدعوة إلى استكمال هذه الرؤية بإنشاء متحف بحري يُعنى بحفظ التراث البحري وتوثيق تاريخ المنطقة العريق.
وتُعد المنطقة الشرقية من أكثر مناطق المملكة ارتباطًا بالبحر عبر التاريخ، إذ شكّل الخليج العربي مصدرًا رئيسًا للرزق والتجارة والتواصل الحضاري مع الشعوب المجاورة. كما ارتبطت حياة سكانها منذ القدم بالأنشطة البحرية، مثل صيد الأسماك، والغوص لاستخراج اللؤلؤ، وصناعة السفن التقليدية، والتجارة البحرية، وهي جميعها أنشطة شكّلت جانبًا أصيلًا من تاريخ المنطقة وهويتها.
ومن هنا تبرز أهمية إنشاء متحف بحري يحفظ هذا الإرث ويقدمه للأجيال. فالمتحف لا يمثل مجرد مرفق ثقافي أو سياحي، بل يعد أحد المشروعات التي يمكن أن تستفيد من مخرجات البرامج الأكاديمية المتخصصة في علوم البحار والدراسات البحرية. كما يسهم في توثيق تاريخ المنطقة وصون موروثها البحري، من خلال جمع وعرض الأدوات والمقتنيات البحرية القديمة، والوثائق التاريخية، والصور النادرة التي تروي قصص البحارة والغواصين والتجار، ويتيح للزوار التعرف على أنماط الحياة التي كانت سائدة قبل اكتشاف النفط وما تبعه من تحولات اقتصادية.
ويؤدي المتحف أيضًا دورًا تعليميًا وثقافيًا بارزًا، إذ يوفر بيئة معرفية للطلاب والباحثين والمهتمين بالتاريخ والتراث، ويمكن أن يضم قاعات تفاعلية تعرض تقنيات الملاحة القديمة، ومجسمات للسفن التقليدية، وبرامج تعليمية تعرّف الزوار بأهمية التراث البحري ودوره في تشكيل هوية المنطقة.
كما يسهم في تنشيط السياحة الثقافية، واستقطاب الزوار من داخل المملكة وخارجها، بما يدعم التنمية الاقتصادية، ويوفر فرصًا وظيفية في مجالات الإرشاد السياحي، وإدارة المتاحف، وتنظيم الفعاليات الثقافية.
ويتوافق إنشاء متحف بحري ومركز لعلوم الأحياء البحرية مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي تؤكد أهمية المحافظة على التراث الوطني، وتعزيز الهوية الثقافية، وتنويع مصادر الاقتصاد. كما يمكن أن يصبح هذا الصرح منصة لإقامة المعارض والندوات والفعاليات التي تُبرز الإنجازات البحرية للمملكة، قديمًا وحديثًا.
وفي الختام، فإن إنشاء متحف بحري ومركز لعلوم الأحياء البحرية في المنطقة الشرقية يمثل مشروعًا وطنيًا يجمع بين الأبعاد العلمية والثقافية والتنموية، ويسهم في تعزيز المعرفة بالبيئة البحرية، وحماية مواردها، والمحافظة على إرثها للأجيال القادمة.













