حين تسرق العدسة روح اللحظة
في عصرنا الحديث، أصبحت الكاميرا الصغيرة في هواتفنا رفيقًا دائمًا لكل مناسبة وسفرة وحدث. نرفعها سريعًا لتوثيق اللحظة، فنملأ ذاكرة الجهاز بالصور قبل أن نملأ أرواحنا بصدق التجربة. وهكذا، شيئًا فشيئًا، فقدنا أهم ما في المناسبة: أن تعيشها الروح بكاملها، وأن تُخزَّن في العقل كذكرى حيّة لا كملف رقمي.
لا اعتراض على التصوير في ذاته، فهو وسيلة جميلة لحفظ بعض الملامح، لكن المشكلة حين يتحوّل إلى عادة تسبق الشعور، فيسلبنا متعة اللحظة ويختزل التجربة في إطار جامد. نحن نصوّر الحدث، لكننا لا نسمح للحدث أن يصوّرنا نحن، أن يترك أثره العميق في وجداننا قبل أن يرحل.
ولعلّ المقارنة مع جيل الأمس تكشف الفارق بوضوح. كبار السن حين يروون حادثة قديمة أو مناسبة مضت، ينقلونها بدقة مدهشة، بأحاسيس صادقة، وبصور ذهنية متكاملة. لماذا؟ لأنهم عاشوا اللحظة بكل جوارحهم، بلا عدسة تسبقهم، بلا وعيٍ مُثقل بفكرة النشر أو العرض. كانوا يعيشون اللحظة كما هي، في صدقها وتلقائيتها وامتلائها. أما نحن، فقد صارت الكاميرا تسبق أعيننا، والإضاءة تسبق فرحتنا، والابتسامة تُوجَّه للعدسة أكثر مما تُوجَّه للحياة. ننظر إلى أنفسنا كما نريد أن يرانا الآخرون، لا كما نحن حقًا. وهنا نفقد جوهر المناسبة: أن نعيشها بصدق، أن نملأ أرواحنا بها، أن نتركها تُزهر في ذاكرتنا لا في ذاكرة جهاز صغير.
الحل ليس في رفض التوثيق، بل في إعادة التوازن. أن نعيش اللحظة أولًا، ثم نُوثّقها إن شئنا. أن تكون الضحكة مسموعة قبل أن تُسجَّل، والدمعة صادقة قبل أن تُصوَّر، والفرح حقيقيًّا قبل أن يُضاء بالعدسة. عندها فقط نصنع ذكرى حقيقية، ذكرى تُحفر في الروح وتظل قادرة على أن تُعيدنا إليها كلما استدعيناها.
فاللحظة التي تُعاش بكاملها هي وحدها التي تبقى حيّة، أما الصورة فهي ظلّ جامد، لا يملك أن يعيد إلينا حرارة ما مضى.













