إلى الكتاب المتميزين... لا تدعو الذكاء الاصطناعي يمسح هويتكم!
منبع موضوعي هذا ليس نقدًا موجهًا إلى شخص بعينه، كما أنه ليس هجومًا على الإطلاق. فكل كاتب له قدرة على تمييز أدواته، ومعرفة حدود إمكانياته واختبارها على أرض الواقع.
ولكنني تنبهت مؤخرًا إلى كتّاب كنت أتلذذ القراءة في مواضيعهم، وألمس من خلالها أحاسيسهم، وأشم الكلمات التي تصدح بها أقلامهم. بل أكاد أجزم أن كل مقال كنت أقرأه كان يشكل النسيج الفكري والثقافي لبنائهم المعرفي، ويعكس وجدهم ودرجة حساستهم، وفوق كل ذلك النكهة الخاصة التي تميز كل واحد منهم. باختصار: بصمتهم الإنسانية التي خُلقوا لها.
لننظر الآن إلى بعض المقالات المتناسخة، فنجدها أشبه بتراكيب لغوية، وألفاظ منمقة جوفاء، فاقدة للمشاعر الحسية، مصبوغة بدهانات مزيفة. حتى بريقها تلمس فيه التصنع. فلم يعد للكلمة ملمس يحسسك بصدق المعنى.
يرسل لي البعض مواضيعهم بعناوين مبهرة، أو أقرأ منشوراتهم على صفحات الفيسبوك، أو الصحف المحلية، وعند تصفح المحتوى أحار في مخرجاته، وأتساءل:
”هل أنا أقرأ في موضوع يختص بالنقد، أو الفلسفة، أو مزيج من المصطلحات العلمية؟“
حتى إنه يرد فيه أسماء أدبية وتاريخية كبيرة. وعند محاولة تفكيكه وحلّ عقده، لا تجد بين روابط كلماته إلا أسلاكًا ضعيفة تحاول ربط بعضها عنوة. وبذلك يضيع هدف ومغزى الموضوع.
حتى إنني أحاور نفسي، محاولًا إقناعها بأن الخلل ربما ليس في المقال الذي أتصفحه، بل في مستوى تركيزي الذهني الذي قد وهن.
فأتذكر أنني قرأت مقالًا شبيهًا لما بين يدي، فأسرع إليه، أتفحصه، وأطابق كلماته... فماذا وجدت؟
الأسلوب متشابه. طريقة تركيب الجمل القصيرة. أسلوب النفي ثم الإثبات المؤكد. الأفكار المتشابهة. طريقة الربط بين الجمل واحدة.
أغض الطرف عن الشكل، فربما فضل الكاتب أسلوبًا أكثر حداثة، ولكن أين المعنى؟
قبل أن يختطف أولئك الكتاب الذكاء الاصطناعي، كان ذكاؤهم العاطفي يحلق بكتاباتهم عاليًا. كانت الفكرة تبهرني لأنها تنبض بالحياة، وتناقش أحداثًا إنسانية حقيقية، منبعثة من صلب الحياة الاجتماعية. وكنت أحرص على قراءة المقال، وبعض الأحيان أعيد القراءة مرة أخرى، ليس بسبب عدم الفهم، أو الغموض، إنما الأفكار الحية هي من تجبرك على تلمس الجمال ولو بين السطور.
والعكس يحصل للمواضيع المولدة بالذكاء الاصطناعي البحتة، فتراني عاجزًا عن متابعة الموضوع، سواء كان في النقد أو الأدب النثري، أو أي نتاج فكري آخر. فأنا لا أستطيع المضي في قراءة نصوصه بأكثر من ربع صفحة، حتى أصاب بالسأم والضجر من محتواه المتشابك!
تصورت الذكاء الاصطناعي لدقائق كأنه حصان، يجب لجمه وتدريبه، ليتمكن الكاتب من قيادته، وتفادي قفزاته المميتة. لا أن نجعله هو من يقيدنا، ويأخذنا إلى مناطق لا نرغبها!
بالطبع أنا هنا لا أدعو لمحاربة هذه الوسيلة التي تساعدنا في أداء مهام كثيرة، وتسهل علينا اختصار الوقت.
ولكن علينا الانتباه إلى عدم ضياع بصمتنا، والحفاظ على هوية قلمنا. فنحن من نبتكر الأفكار، ونصبغها بالشكل الذي نرتئيه مناسبًا لنا، وينسجم مع قناعاتنا.
الذكاء الاصطناعي يساعدنا في البحث عن المعلومة، ويراجع مواضيعنا لغويًا، ويضبط الفواصل والإملاء والنحو لمن يعانون من مشكلة النحو والصرف... إلخ.
وفوق ذلك لا يجب الارتكان إليه في التصرف بالموضوع الأصلي شكلاً ومضمونًا وفكرًا. بل يجب التدقيق في المعلومات التي يزودنا بها، حتى لا نفقد ملكة الإلهام والإبداع التي يتميز بها الكاتب المقتدر.
أعود إلى بعض الكتاب الذين كنت أستأنس لمواضيعهم الحميمة، وإبداعاتهم الفكرية، والجهد المبذول في إخراج نصوصهم الأدبية، والعمق الفكري الذي كان يرافق نتاجهم الأدبي، ويراكم تجاربهم ويعلو من مكانتهم العلمية والفنية وسواها.
فلماذا فرطوا في كل ما بنوه، ليعودوا بثوب ليس لهم، وبمواضيع مكررة في الشكل والأسلوب؟
فالذكاء الاصطناعي يعمل ضمن خوارزميات محددة مسبقًا، تفتقر إلى المعرفة الإبداعية. كما أنه يعيد صياغة الفكرة بأساليب خادعة، تخدم أغراضًا فكرية وأيديولوجية بعيدة عن اهتمامات مجتمعاتنا.
صحيح إنه يوفر معلومات وفيرة، وله القدرة على دمج وقائع واستخلاص نتائج وفق متطلبات الباحث، ولكنه يقدم تقسيمات نمطية حسب الخطط التي زود بها.
لذلك لا يجوز اعتبار أي موضوع مولد بالذكاء الاصطناعي، بدون الإبداع الحقيقي للكاتب وبصمته التي جبل عليها، منجزًا فكريًا يرقى إلى الإبداع. وخصوصًا عندما يكون ذلك الموضوع مجردًا من المشاعر الصادقة، ومن الإلهام الابتكاري، والإبداع البشري، فلن يُنظر إليه إلا كنسخة باهتة من عمل رخيص.
في النهاية، أدعو أحبتي «الذين سحبتهم موجة الذكاء الاصطناعي بعيدا» وممن كنت أعتبرهم من رواد الكتاب المبدعين لدينا، أن يعودوا إلى قلمهم والى نكهتهم المميزة.
وأن تكون بصمتهم في الكتابة فخرًا لكل ما سبق وأنجزوا من أفكار قيمة، ومواضيع تستحق الذكر، حتى لا يضيع أثر أعمالهم الإبداعية في رمال الكلمات المصطنعة.
ولكم خالص محبتي.













