آخر تحديث: 16 / 7 / 2026م - 11:30 م

ما أشعر به هو نتيجة ظروفي

أنيس آل دهيم *

عندما بدأتُ التفكير في هذا العمل، لم يكن هدفي تصوير شخص يعيش لحظة حزن أو قلق، وإنما تصوير ما يحدث داخل العقل عندما تتزاحم الأفكار، وتختلط المشاعر، ويجد الإنسان نفسه في حوار طويل مع ذاته. أردتُ أن أقول إن ما يدور في داخل الإنسان قد يكون أكثر صخبا مما يظهر على ملامحه. في هذا العمل لم تكن الشخصية هي البطل الحقيقي، بل كانت الأفكار هي البطلة. ولهذا قسمتُ القصة إلى عدة صور تحيط بالشخصية الرئيسة، وكأن كل صورة تمثل فكرة أو شعورا يمر به الإنسان في لحظات الضغط النفسي. فالعقل لا يعيش فكرة واحدة، بل يعيش عشرات الأفكار في اللحظة نفسها، وهذا ما حاولتُ أن أجسده بلغة الصورة.

تشير الدراسات في علم النفس إلى أن الإنسان عندما يتعرض للضغوط أو القلق، يبدأ عقله بإنتاج سيل من الأفكار المتداخلة. ومع مرور الوقت تتحول هذه الأفكار إلى عبء نفسي يشعره بالإرهاق حتى وإن لم يبذل أي مجهود بدني. وهنا تصبح أبسط القرارات أكثر صعوبة، ويشعر الإنسان بأنه محاصر داخل عقله. وللأسف، أصبح هذا المشهد أكثر شيوعا في عصرنا بسبب الاستخدام المفرط لمواقع التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية. فهذه المنصات صُممت لتجذب انتباه المستخدم لأطول وقت ممكن، فتغمر الدماغ بكم كبير من الصور والأخبار والمقاطع القصيرة والمنبهات السريعة. ومع استمرار هذا التدفق، لا يجد العقل فرصة للراحة أو تنظيم أفكاره، فيبقى في حالة استنفار دائم.

ويشير علماء النفس إلى أن التعرض المستمر لهذا الكم من المحفزات قد يؤدي إلى تشتت الانتباه، وضعف التركيز، واضطرابات النوم، وزيادة مستويات القلق، كما قد يخلق شعورا دائما بالمقارنة مع الآخرين، فيعتقد الإنسان أن الجميع يعيش حياة أفضل منه، فيفقد الرضا عن حياته الحقيقية. أما الألعاب الإلكترونية، فعلى الرغم من فوائدها في بعض الجوانب إذا استخدمت باعتدال، فإن الإفراط فيها قد يجعل الدماغ يعتاد الإثارة السريعة والمكافآت الفورية، فيصبح من الصعب الاستمتاع بالأنشطة اليومية البسيطة أو التحلي بالصبر عند مواجهة التحديات الواقعية.

لهذا جاءت إيماءات اليدين في هذا العمل وكأنها تروي هذه الرحلة النفسية. فهناك يد تعبر عن الارتباك، وأخرى عن التفكير المتكرر، وثالثة عن الحيرة بين الخيارات، وأخرى عن البحث عن مخرج، وأخيرا يد تحاول التخلص من قيد لا يراه أحد. هذا القيد ليس حبلا أو سلسلة، بل قد يكون هاتفا لا نستطيع تركه، أو إشعارا جديدا ينتظرنا، أو لعبة تستنزف ساعات يومنا دون أن نشعر. ومن الأمور التي أثارت اهتمامي أثناء تنفيذ هذا العمل أن كل شخص يقرأه بطريقة مختلفة. فبعضهم يرى القلق، وآخر يرى الوحدة، وثالث يرى التعب، وآخر يرى العنف والاطراب النفسي، بينما يرى غيره بداية التحرر. وهذا أمر يفسره علم النفس الإدراكي، فالإنسان لا يرى الصورة كما هي فقط، بل يراها من خلال تجاربه الشخصية ومشاعره وذكرياته. لذلك تصبح الصورة مرآة تعكس المتلقي بقدر ما تعكس الفكرة التي أراد الفنان إيصالها.

إن أكثر ما يميز التصوير المفاهيمي أنه لا يقدم إجابة جاهزة، بل يطرح سؤالا. فهو يدعو المشاهد إلى التفكير بدلا من الاكتفاء بالمشاهدة. وربما كان أهم سؤال يطرحه هذا العمل هو: هل أصبحت حياتنا الرقمية تتحكم في مشاعرنا أكثر مما نتحكم نحن فيها؟ وهل ما نراه على الشاشات يترك داخلنا آثارا لا ننتبه إليها إلا بعد أن تتحول إلى قلق، وعزلة، أو إرهاق نفسي؟

أردتُ من هذا العمل أن يذكرنا بأن الإنسان لا يحتاج دائما إلى قيود حقيقية حتى يشعر بأنه مقيد. فقد تكون القيود أفكارا، أو مخاوف، أو عادة يومية تتكرر حتى تصبح جزءا من حياتنا دون أن نشعر. وعندما نقضي ساعات طويلة بين الهاتف والألعاب ومواقع التواصل، فإننا لا نخسر الوقت فقط، بل قد نخسر هدوءنا النفسي، وقدرتنا على التركيز، واستمتاعنا بالأشياء البسيطة من حولنا. فكم هي جميلة ورائعة تلك الصور الهادفة التي توقظ العقل وتلامس القلب. فإذا توقف المشاهد أمام هذا العمل للحظات، ثم بدأ يسأل نفسه: متى كانت آخر مرة جلستُ فيها مع أفكاري بعيدا عن شاشة الهاتف؟ وهل ما أشعر به اليوم هو نتيجة ظروفي، أم نتيجة العالم الرقمي الذي أعيش فيه؟، فأعتقد أن الصورة قد أدت رسالتها، لأن الفن الحقيقي لا يمنحنا الإجابات، بل يساعدنا على اكتشافها داخل أنفسنا.