حين اطمأنت النفس «3»
المحن سلّم إلى الكمال
نحن أمام شخصيات لم تحمل القيم والتوجيهات النظرية الراسخة في الذهن بعيدا عن تطبيقها على أرض الواقع وتجسيدها في التصرفات العملية، مع مرورهم بمحن وصعاب تنوء لها الجبال الراسيات ولكنهم امتلكوا من الإرادات والهمم ما استطاعوا به الثبات والصمود، في مشهد رائع ومتألق تتخذه الأجيال المتلاحقة أسوة ومسارا في ميدان العمل المثابر بعيدا عن التشاؤم وفقدان السيطرة على النفس واليأس من العودة مجددا، فكل تلك المآسي التي اعتصرت قلوبهم وأحرقت بأنفاسها الملتهبة كل ما حولهم من خير ولكنها لم تسقطهم أبدا في أتون الهوان وفقدان خيط الأمل والرجاء، وبالطبع لا يمكننا المرور أمام هذه التجارب مرور المرام ودون التمعّن في تفاصيل تلك المشهدية؛ طلبا لتلك الدروس المستخلصة بما يعيننا في طريق العمل والإنجاز بأفضل وأبهى صوره بعد معالجة الأخطاء وأوجه التقصير، فتلك الشدائد التي نمر بها محطات اختبار لما نمتلكه من إرادة وصبر وقدرة على تحويل المشهد لفرصة في طريق التقدم والتنمية، فما هو فارق بين الناس في خطي القوة والضعف هي مواجهة تلك المآسي بتحمل المسئولية وتقبل التحدي والمواجهة، بينما آخرون يؤثرون التهرب من المسئولية وتغليب العواطف العمياء وندب الحظوظ وإلقاء اللوم على الأيام والعامل الزمني أو المحيط الاجتماعي الذي تخلّى عنه في وقت كان بأمسّ الحاجة إليهم - كما يزعم ويتصوّر -، متناسيا ومتغافلا عن حقيقة القوة الكامنة في دواخله وهي تلك النفس المتطلّعة لتطويع الظروف والصعاب بما يحقق له الطمأنينة والاستقرار النفسي في أحلك الظروف الحياتية، في حين كان يتصوّر البعض أن تكون تلك الشدائد والأزمات عاملا لسقوطه في أحضان القنوط والانكسار والخروج من ميدان العمل مبكرا وبلا عودة، صارت تلك المحطة الصعبة منطلقا لبناء النفس واكتساب الإمكانيات والتصورات اللازمة في طريق التكامل والعمل المثابر والصبر والثبات.
ومن أعمق السنن التي كشف عنها الإمام السجاد
في كلماته وسيرته أن البلاء ليس هو القضية الأساسية في حياة الإنسان وما يقلقه ويبعث فيه بواعث الضعف والكسل، وإنما القضية الحقيقية تكمن في الكيفية التي يستقبل بها ذلك البلاء ويتعامل معه، فالإنسان لا يملك أن يمنع كثيرا من المصائب لكنه يملك دائما أن يختار موقفه منها وأن يحدد أثرها في مستقبله وشخصيته وطريقة تفكيره، فالابتلاء والمشاكل ميدان تظهر فيه حقيقة الإيمان وإثبات الوجود وتنضج فيه النفوس بعد اكتسابها تلك المهارات والقدرات اللازمة للتعامل مع الأزمات والمحن، وهذه السيرة السجادية المعطاءة تقدّم لنا أفضل وأعظم الدروس في مواجهة الأزمات والظروف الحياتية الصعبة بكل اقتدار ويقين، حيث استطاع
أن يحوّل تلك الآلام إلى مشروع تبليغي يقدم من خلاله التوجيهات والإيضاحات التي تكسب الإنسان المنصف الوعي والرشد، كما أنه
في ميدان ومدرسة تربية النفوس قدّم منهجا لبناء الإنسان من خلال إصلاح النفوس وتهذيب أهوائها.













