آخر تحديث: 16 / 7 / 2026م - 11:30 م

الانتظار.. آخر ما تبقى من إنسانيتنا

باسم آل خزعل

كان الانتظار في الماضي جزءًا من الحياة، أما اليوم فقد أصبح عدوًا للحياة.

لم يكن أجدادنا يملكون رفاهية استعجال الزمن. كانوا ينتظرون مواسم المطر لتخضر الأرض، وينتظرون القوافل القادمة من المدن البعيدة، وينتظرون الرسائل التي قد تستغرق أسابيع أو أشهر حتى تصل. كان الانتظار آنذاك مدرسة للصبر، وموسمًا للتأمل، ورفيقًا دائمًا للحياة اليومية.

أما اليوم، فقد انقلبت المعادلة رأسًا على عقب.

أصبحنا نعيش في عصر لا يحتمل الانتظار. نغضب إذا تأخر تحميل صفحة إلكترونية لثوانٍ، ونشعر بالضيق إذا وقفت السيارة أمام إشارة المرور لدقيقة إضافية، ونفقد أعصابنا إن تأخر الرد على رسالة في تطبيقات التواصل. لقد أقنعتنا التكنولوجيا بأن كل شيء يجب أن يحدث الآن، وفي هذه اللحظة، وبأقصى سرعة.

لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده: هل اختصرنا الزمن، أم اختصرنا أعمارنا؟

لقد وفرت لنا التقنية الوقت، لكنها في المقابل سرقت منا الإحساس به. أصبحنا ننجز عشرات المهام في وقت واحد، نقرأ الأخبار، ونرد على الرسائل، ونجري التحويلات البنكية، ونحضر الاجتماعات، ونتصفح وسائل التواصل، وكل ذلك في دقائق معدودة. ومع ذلك، عندما ينتهي اليوم، ينتابنا شعور غريب بأننا لم ننجز شيئًا يستحق الذكر.

إنها مفارقة العصر.

فالسرعة التي حلم بها الإنسان لم تمنحه راحة، بل زادت من قلقه. وكلما ازدادت التطبيقات ذكاءً، ازدادت نفوسنا استعجالًا. حتى أصبح الانتظار، وهو سنة من سنن الحياة، يبدو وكأنه خلل يجب التخلص منه.

ومع ذلك، لا تزال الحياة تفرض علينا لحظات لا يمكن تجاوزها. ننتظر في المطارات، وفي المستشفيات، وعند إشارات المرور، وننتظر نتائج الفحوصات، وننتظر تحقيق الأحلام، وننتظر شفاء مريض، أو عودة غائب، أو فرجًا من الله. هناك انتظار لا تستطيع التقنية أن تختصره، لأنه مرتبط بحكمة الزمن وإرادة الخالق.

وربما تكمن المشكلة الحقيقية في أننا لم نعد نعرف كيف ننتظر.

لقد فقدنا القدرة على الصبر، وعلى الاستمتاع باللحظة، وعلى التأمل في الفراغ. أصبح الصمت مزعجًا، والهدوء مقلقًا، والدقائق البطيئة عبئًا ثقيلًا، لأن عقولنا اعتادت أن تُغذى باستمرار بكل جديد.

إن أخطر ما في عصر السرعة ليس أنه جعل العالم أسرع، بل إنه جعل الإنسان أكثر استعجالًا من الزمن نفسه.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس: كيف نقتل وقت الانتظار؟ بل كيف نحيي أنفسنا أثناء الانتظار؟

فالانتظار ليس وقتًا ضائعًا، بل قد يكون أجمل فرصة لمراجعة الذات، وترتيب الأولويات، وإعادة اكتشاف الحياة بعيدًا عن الضجيج.

وربما يأتي يوم تصبح فيه القدرة على الانتظار مهارة نادرة، وثروة لا يملكها إلا القليل.

فكل شيء أصبح سريعًا إلا العمر، فهو يمضي بصمت، ولا ينتظر أحدًا.