آخر تحديث: 17 / 7 / 2026م - 12:23 ص

هكذا بدأت القصة

أحمد منصور الخرمدي *

لا مفر من الاعتراف بأن حياتنا كانت في الماضي تختلف كثيرًا في العلاقات الاجتماعية، وكانت أقوى مما هي عليه الآن. فجميع منازل الجيران كانت تُعد منزلنا، وتميزت بصفاء القلوب، وكان يفرحنا ما يفرح جيراننا وأصدقاءنا، ويحزننا ما يحزنهم، لا قدر الله.

كان يوجد في الماضي العديد من القواسم المشتركة بين الناس؛ الصدق والأمانة، والصداقة والأخوة النبيلة، وزيارات يومية متبادلة، وصحبة نافعة نصوحة، يسودها التسامح والمحبة والمودة. كانت القلوب مفتوحة على بعضها، فما تنقص أحدًا حاجة إلا وجاره يعطيه، أي يسد عوزه. وما كان أحد ينام جائعًا من الفريق «الحي»، ولا كانت هناك أسرة محتاجة. وكانت التجمعات تمتد طوال اليوم في مجالسهم المتواضعة، وفي المزارع، وكان البنّاء، والحداد، والخباز، والمعلم، والعامل البسيط، كما الميسور والفقير، يجتمعون فيها. وكان الواحد يدخل بيت جاره وكأنه داخل بيته، بوقار واحترام وحشمة. وكانت الطيبة والأخلاق تكسو الأنفس، وقد عبّر العديد من الإخوة ممن عاشوا سنوات ليست قصيرة من تلك الفترة الماضية بعبارات أكثر شعبية، منها: «ما يصرخ الواحد صرخة إلا جاءه أهل الفريق كلهم فزعة، كبيرهم وصغيرهم، رجالهم وعائلاتهم».

هناك جوانب جميلة من حياة الماضي، ومن خلال استبانة أُرسلت ونحتفظ بها، وصلتنا آراء من بعض الإخوة الأعزاء من قرائنا الأدباء، وها نحن نضيف جزءًا مختصرًا منها للمقال؛ لتعطي تلك النقاط بُعدًا أكبر. كان احترام الكبير وتقديره من أبرز السمات، فالصغير كان يتعلم الأدب قبل الكلام، ويستفيد من خبرة من هم أكبر منه سنًّا، وكانت تربية الأبناء مسؤولية الجميع. فإذا أخطأ طفل وجد من ينصحه ويوجهه من الأهل أو الجيران أو المعارف، وكان والداه يقدران ذلك ولا يغضبان، وكانت الثقة بين الناس كبيرة، فكثير من البيوت كانت أبوابها مفتوحة، ويشعر الجميع بالأمان فيما بينهم.

كانت المجالس مدرسة يتعلم فيها الصغار حسن الاستماع، وآداب الحديث، ويستفيدون من قصص الآباء والأجداد وتجاربهم. وكانت مشاركة الناس في الأفراح والأتراح نابعةً من المحبة، فلا ينتظر أحد دعوة ليقف مع جاره أو قريبه. وكان أهل الحي يتعاونون في بناء البيوت، ومساعدة المحتاج، وإنجاز الأعمال التي تحتاج إلى تكاتف الجميع. فإذا مرض أحد وجد جيرانه يسألون عنه، ويقضون حوائجه حتى يعود إلى عافيته.

ونضيف: كانت الحياة بسيطة في مظاهرها، لكنها مليئة بالرضا والقناعة والبركة. كان الأطفال يلعبون معًا في الأزقة والساحات، مما عزز بينهم روح المحبة والتعاون وتحمل المسؤولية، وكان الناس يعرف بعضهم بعضًا معرفة حقيقية، تجمعهم المودة وحسن الجوار، وليس مجرد السلام العابر.

كان للكلمة قيمة، والوعد لا يُخلف، وكانت الثقة بين الناس من أهم ما يميز المجتمع. ورغم قلة وسائل الاتصال، كانت صلة الرحم أقوى، والزيارات أكثر، والسؤال عن الأحوال عادة لا تنقطع. كما كانت المناسبات الدينية والاجتماعية تجمع الناس على المحبة والتعاون، وتشعر الجميع بأنهم أسرة واحدة.

ونختم: إن المقصود من كتابتنا هذه وتذكيرنا هذا ليس مجرد الحنين، ولا القول إن الماضي كان خاليًا من الأخطاء، وإنما التذكير بالقيم الجميلة التي عاشها الناس آنذاك؛ لأنها قيم لا يحدها زمن، ويمكن أن تعود إلى حياتنا متى تمسكنا بها وحرصنا على إحيائها بين أبنائنا ومجتمعنا.

لنأخذ من حياتنا الدنيوية دروسًا ومنهجًا، فإن المحبة التي تنشأ بين أهل الإيمان والتقوى ليست محبةً عابرةً، ولا تقوم على المصالح الشخصية أو المنافع الدنيوية، بل هي محبةٌ متجذرة في الإيمان بالله والقيم المشتركة. وليكن لدينا دائمًا المبدأ القويم بأن تكون علاقة بعضنا ببعض مبنية على الإخلاص والوفاء والصدق والتفاهم، وألا نجعل في أنفسنا حواجز، أو نعتقد أن الروابط الاجتماعية ستنتهي، وتنتهي معها الصداقة والمودة والجيرة الجميلة بمجرد تغير الظروف أو زوال الجاه أو المال، بل ليكن أساسها محبة الله. فمن أحب لله وأبغض لله، كانت علاقته أسمى من تقلبات الدنيا، فالمودة أساسها الإيمان، لا تهزمها الأيام، ولا تفسدها المصالح، بل تبقى نورًا في القلوب، وذخرًا عند الله سبحانه وتعالى.