آخر تحديث: 16 / 7 / 2026م - 11:30 م

الأهل والهاتف الجوال وصراع زراعة القيم

المهندس أمير الصالح *

لم يتنبأ، ولم يدر في ذهن إنسان، على مدى عصور ودهور خلت، أن يصبح الوالدان في صراع مع الزمن ضد جهاز الهاتف الجوال في غرس القيم والسلوك والمسؤولية لدى أبنائهما. الهاتف الجوال الذكي، المدعوم بعدة برمجيات وتطبيقات عالمية كبرى، مع وجود برمجيات تخترق أي رقابة أو إسقاط بعض الدول الرقابة على المواد المبثوثة في أثير الإنترنت، أعاد صياغة أنماط تفكير واهتمامات جزء كبير من أبناء الجيل الصاعد؛ حتى إن البعض من شباب هذا الجيل، وفي دول عربية وغير عربية كثيرة، أضحى نسخة طبق الأصل، وعابرة للقارات، لطريقة اللبس والكلام والتفكير والأكل للشاب الغربي الأوروبي الملحد، أو الشاب الأمريكي اللاديني، أو الشاب الياباني الماسوني المنحل. فترى بعض الشباب المحليين يذهبون إلى تناول الطعام نفسه في المطاعم ذاتها، ويلبسون ماركة الجينز الأجنبية عينها، ويقصون قصة الشعر نفسها، ويشاهدون تقريبًا الأفلام ذاتها، ويلعبون الألعاب الإلكترونية نفسها، ويتابعون المشاهير الهوليووديين أنفسهم، ويتعلقون بالشخصيات الإلكترونية ذاتها، ويحفظون أسماء المغنين والفنانين والفنانات أنفسهم، ويتابعون بشغف إصدارات الأفلام المرتقبة نفسها، ويقلدون الصرعة الرائجة ذاتها من أحدث صرعات الحركات والرقص والموسيقى وقصات الشعر للشاب الأجنبي المتأثر بالهوية العالمية الرقمية! حتى يخيل لك أحيانًا أن بعض شباب دول عربية معينة مستنسخون من شباب دول غربية معينة. فما هي الحلول لهذه الاختراقات المهلكة، وحتمًا الطاحنة والطامسة؟ كنا نتمنى أن يتأثر أولئك الشباب التائه بشباب الحضارات من المتفوقين علميًّا، سواء في حقول الابتكار والاختراع والصناعة والإنتاج والفلسفة والعلوم والهندسة، أو الإدارة والانضباط والدقة والاستثمار والنمو.

حوار

في الوقت الذي يخشى الأبوان المحافظان على أبنائهما من رؤية مشادات كلامية، يرى أطفالهم وشبابهم مشاهد ومقاطع قتل وصلب لأجساد بشرية وحروب مافيات موثقة ومنشورة على مواقع الإنترنت!

في الوقت الذي يحرص الأبوان على العفة وانتقاء الكلام المهذب واللباس المحتشم أمام أبنائهما، يسمع ويرى الأطفال والشباب ألفاظًا بذيئة «Fxxx.. Sxxx… etc» ومشاهد لمقاطع فيديو مشبعة بعلاقات حميمة وصور إباحية منشورة عمدًا في وسط فيلم ترفيهي أو تعليمي، أو عبر مقاطع دعائية خلال مشاهدة مسلسل تلفزيوني في موقع يوتيوب.

هل الأبوان هما الحلقة الأضعف؟

في ظل العولمة الرقمية، يا تُرى، في سلسلة إدارة شؤون التربية للجيل الصاعد، هل الآباء هم الحلقة الأضعف في التأثير على أبنائهم، وما الحلول الممكنة؟! للإجابة عن هذا السؤال سأطلق محاولة، وقد تكون أنت، القارئ الكريم، لديك تجارب ومعالجات أقوى وأنجع مما أورده لك هنا.

إنسان مسؤول ومتزن

كان وما زال سعي الأبوين في كل أنحاء الأرض، ومن كل الملل والنحل، هو إنشاء أولاد وبنات يتمتعون بروح الاتزان والمسؤولية والوفاء للقيم والالتصاق بالأسرة والاحترام للمجتمع والكرامة الذاتية ومعالجة الصعاب وتخطي التحديات بعزيمة وإصرار أكبر، حتى بلوغ النجاح في المهنة والأسرة والمجتمع والآخرة.

مع انطلاق العولمة المادية والاقتصادية نشأ مفهوم جديد يطلق عليه اقتصاد الانتباه «attention economy». وهذا النوع من الاقتصاد سعى ويسعى إلى شد انتباه كل فرد حسب ميوله وتفضيلاته، واستهدافهم فردًا فردًا «مجتمعًا - مجتمعًا»، وإغراقه في وحول الاستهلاك الرقمي حتى النخاع، حتى ينمط سلوكهم للأسوأ، وتفكيرهم للتدجين، وقناعاتهم للادينية، وإرادتهم لتكون مسلوبة. وكأن استهلاك أكبر قدر من Gigabyte «data» في حقل الإنترنت عبر تطبيقات مختلفة «سناب، تيك توك، فيس بوك، تطبيقات المواعدة، واتساب، صفحات ويب، مواقع قنوات مختلفة، … إلخ»، مؤشر لمدى انزلاق الفرد في حبائل اقتصاد الانتباه.

ولزيادة الاستهلاك في اقتصاد الانتباه، كانت اللقطات المثيرة والساخنة، ومقاطع الإثارة والعنف والجنس بكل شواذه وصنوفه، والتمرد على القيم وهبات التيارات الرائجة، مدخلات أتت وتأتي أكلها بدخول الناس، لا سيما الجيل الصاعد، أفواجًا أفواجًا من حول العالم. والشركات العابرة للقارات، والشركات المسيطرة على صناعة الإنترنت، تمكنت ومكنت من زيادة مساحة السيطرة على أدمغة بشر كثير حول العالم، حتى إنها نجحت في بعض المجتمعات في أن تجعل الإنسان ملتصقًا بالأجهزة الحاسوبية والإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي أكثر من التصاقه بنفسه، أو عنايته بصحته ونظافته، ومتابعته لشؤون أسرته، أو مشاركته بمناسبات مجتمعه، أو إحياء أمور دينه، أو الالتصاق بربه، أو الاهتمام بشؤون نمو وتطوير واقتصاد وطنه، أو سعيه على لقمة عيشه!

عوامة التربية المعاصرة، من خلال منصات الإنترنت وتطبيقات الذكاء الصناعي في إدارة الأدمغة، كسرت هيبة الوالدين، وحطم احترام المربي، وهشمت قوالب القيم العالية، وسلب دور المدرسة والحي والمجتمع. وأنشأت أشخاصًا من الشباب المفتول عضلًا، مسلوبي الإرادة، ومستهلكين نهمين للمنتجات الأجنبية، ومناوئين في سلوكياتهم، وغير غيورين على مجتمعاتهم!

الحلول المقترحة

ينسب للرسول ﷺ قوله: «من كان له صبي فليتصابَ له»، أي من لديه طفل فليلعب ويمازح طفله ليكسب قلبه، وينزل من برجه ليتماشى مع مستوى عقل ابنه باستخدام أدوات تناسب عصر وعمر الطفل. من هذا الباب أهمس في أذن الوالدين، إذا كان بالإمكان، بعدة أمور:

1- توظيف الجوال بحكمة

أضحى المثل: «إن أردت أن تنافسهم فاستخدم أسلوبهم نفسه»، أي توظيف الاتصال الرقمي مع أبناء الجيل الصاعد بشكل احترافي ومميز، وليس بأساليب ركيكة أكل عليها الدهر وشرب.

وأقترح تفعيل التواصل عبر الأجيال من خلال رسائل رقمية في مجموعات الأسر والأصدقاء وأبناء الحي والمجتمع، ومنها:

• حكمة اليوم.

• قاعدة اليوم الأخلاقية أو الدينية أو التربوية أو المهنية أو الإدارة المالية.

• إرسال رسائل عن عادة اليوم الصباحية المفيدة.

• مقالات نافعة في حقول العلوم والاقتصاد والابتكار من هنا وهناك.

• مقالات تتناول: فرصًا اقتصادية، وتطوير الذات، وتحفيز ريادة الأعمال، واتجاه الأسواق، وفنون الإدارة، وفرصًا في عالم العقارات.

• دروس من كتاب أو ملخصات نافعة.

• مقاطع فيديو ملهمة ومحفزة.

• ملفات PDF تطويرية.

• سلسلة تطوير الشخصية.

• إدراج أسماء وروابط مواقع وأفلام وتطبيقات مفيدة.

• مخططات بيانية موجزة «إنفوجرافيك».

المشاركة بفقرات ورسائل وكتب ونشرات قيمة ونوعية، كمشاركة منك وتفاعل من الآخرين بشكل شبه دائم أو موسمي لأعضاء المجموعة الرقمية الأسرية، هو مسعى جاد منك ومن الآخرين في إضاءة شمعة، وفي تطوير أعضاء العائلة، بدل لعن الظلام والنقد السلبي للجميع باستثناء ذاتك؛ فإن سعي الساعين بإذن الله مشكور.

2- احتواء الأبناء عبر الرحلات الخلوية في الطبيعة، وإطلاق الحديث الودي، وإحياء استحضار القدوات التاريخية بشكل جذاب، واستشراف المستقبل بشكل مشجع، وإطلاق الحوارات الهادفة والراقية، والبعيدة عن التقريع والتهديد وهدر الكرامة داخل المنزل وخارجه.

3- تدارس مخاطر تحول الإنسان تدريجيًّا إلى روبوت بيولوجي بإتقانه مهارات البرمجة واستخدام التطبيقات الرقمية، وفي ذات الوقت إهمال وتهميش الذكاء العاطفي وفنون التواصل بالمحيط الاجتماعي.

4- التركيز على غرس مفهوم إدارة الأهم والمهم عند الأبناء، وتفادي الوقوع في فخاخ التيارات الرقمية الرائجة المبتذلة التي تصفي الذهن والقلب والعقل من القيم والأخلاق والإدارة.

5- الرعاية والاهتمام بالهوية الدينية والاجتماعية والوطنية بين الأجيال الناشئة.

6- تعزيز وإطلاق فكرة النقد الفكري لأي محتوى رقمي وغير رقمي.

7- أن يكون الشخص المسؤول، أبًا أو معلمًا، موجهًا ومحفزًا للتفكير، وليس مصدر أوامر وتقريع أو نقل معلومات بقوالب جامدة غير تفاعلية.

8- التشجيع على عمل صوم رقمي متقطع لتقليل الاستهلاك الرقمي.

نداء للأهالي

محو الأمية الرقمية، وعقد صداقات رقمية مع الأبناء، لا سيما إذا كان الأبناء في مواقع جغرافية متناثرة داخل أو خارج البلاد، أمر أضحى أكثر إلحاحًا من الأوقات الماضية.