آخر تحديث: 16 / 7 / 2026م - 11:30 م

التعليم الصالح لهذا الزمان

الدكتور توفيق السيف * صحيفة الشرق الأوسط

التعليم الذي نحتاج إليه هو التعليم الذي يدرب الشباب على خلق الفرص، وتحويل الخيال إلى واقع. الفرص التي نريد صناعتها، ليست موجودة فعلاً. والواقع الذي نتحدث عنه ليس موجوداً أيضاً، في العالم المادي، بل في الخيال والتصورات الذهنية. لكن المستقبل في حقيقته هو هذا الشيء: الواقع الذي ما زال في رحم الغيب... الأشياء التي نتخيلها، لكننا لا نستطيع لمسها في هذه اللحظة. التعليم الجيد هو الذي يزرع في أعماق عقل الطالب، أن القيمة الحقيقية تكمن في هذه الأشياء المتخيلة، وأن قيمته كإنسان رهن بانشغال ذهنه كلياً، في البحث عن الطرق التي تمكنه من تحويل ذلك الخيال إلى واقع. بكلمة موجزة: التعليم الذي نحتاج إليه هو الذي يقتلع التلميذ من دائرة الماضي والحاضر، ويلقي به في المستقبل المجهول، ويناديه: إن أردت النجاة فاصنع شيئاً لم تملكه من قبل.

الفارق بين التعليم المتخلف ونظيره المتقدم، بسيط جداً وواضح. في التعليم المتخلف يجري تأسيس الحاضر على صورة الماضي. أما نظيره المتقدم فهو يفكر في مستقبل لا نعرفه ولم نره. إنه يحفر في الحاضر، كي يستنبط شيئاً مختلفاً عنه.

هذه مفارقة جدية يصعب على رواد التعليم التقليدي تخيلها؛ لأن أذهانهم تأسست على فرضية فحواها أن كل جديد، ينبغي أن ينغرس أساسه في الموروث، فيكون امتداداً لشيء سابق. وكلما زادت صلة الجديد بالقديم، تعزز الاقتناع به وتحول من أمر محتمل إلى قطعي. وأريد هنا الاستشهاد برؤية المرحوم محمد عابد الجابري، الذي رأى أن المشكلة الكبرى في الثقافة العربية، هي كون العقل العربي قياسياً. بمعنى أنه يصنع مواقفه ويصوغ معارفه الجديدة، عبر إسقاط الماضي على الحاضر، أو إلحاق الجديد بالقديم. فما تناسب مع القديم فهو محقق، وما خالفه فهو مشكوك. بل يؤكد الجابري أن الهيمنة المطلقة لمنهج القياس، ليست حدثاً عابراً أو سقطة ظرفية، بل هي بنية حاكمة على رؤيتنا للطبيعة والحياة والسياسة والدين.

وفقاً للجابري فإن مفهوم الزمن والتطور في العقل القياسي، تراجعي وليس تقدمياً، فهو يجعل الكمال في الماضي، ويعتبره أصيلاً أو رمزاً للأصالة، ثم يضفي على وصف الأصالة وما يتصف بها، قيماً تبجيلية. ومن هنا يعتبر المجد والرفعة قرينين للتشبه بالأصل «أي الماضي». وكنتيجة لهذه القيمة الغريبة، تميل حركة الفكر إلى اتجاه دائري ملتصق بالمركز، أي الماضي، بدل أن تكون حركة خطية متصاعدة، ومتجهة إلى المستقبل.

- حسناً، كيف نحرر الأذهان من الحاضر والماضي ونطلقها في آفاق الخيال الرحيبة؟

- وكيف نزرع في الأذهان عادة النقد، أي التأمل والمساءلة لكل ما يواجهها من أفكار وأشياء، سواء كانت غريبة أو كانت عادية مألوفة، وسواء كانت مفتوحة للنقد أو كانت محمية بأسوار المنع والتحريم؟

يبدو لي أن السير في الطريق ليس سهلاً مثل الكلام عنه. نحن نروي قصص البطولات، من دون أن نتجرأ على خوض المعارك. كذلك الحال في ممارسة التخيل والتمرد على الواقع. إنني أطرح هذه الفكرة على القراء، وأنا واثق أن بعضهم لديه أفكار، تسد الثغرات التي تشير إليها هذه السطور. إن عرض الأفكار على الناس، هو الطريق السريع لتكميلها وتعميقها وكشف عيوبها ونواقصها. دعنا نفكر مثلاً في جعل البحث العلمي بديلاً عن الامتحانات السنوية في المدارس، أو دعوة الطلاب لكتابة قصص عما يتخيلونه من مشكلات في الواقع أو وراءه، وكيف يحللونها ويبتكرون طرقاً لحلها. وربما نطلب من تلاميذ الابتدائية أن يرسموا كل شيء يستطيعون تخيله كل يوم، لأن الذهن يسترجع المشاهدات والتخيلات من خلال الرسم والتلوين، ثم يعبر عن موقف الطفل من تلك المشاهدات. أو ربما نخصص ساعة يومية للنقاش بين الطلاب، في القضايا المطروحة على ساحة العلم والتقنية والاقتصاد والمجتمع، كي يتعلموا كيف ينظمون أفكارهم، وكيف يستفيد كل منهم من عقول الآخرين، وكيف يكتشفون عيوب آرائهم من دون أن ينفعلوا أو يستاءوا. هذه ستدربهم أيضاً على عدم الانبهار بالأسماء والعناوين البراقة، وعلى التحرر من هيمنة العقل الجمعي، بل وعلى كيفية التأثير فيه وتغيير مساراته.

زبدة القول أن التعليم المتقدم هو الذي يقتلع الشاب من حاضره ويأخذه للمستقبل. وبعكسه فإن التعليم المتخلف هو الذي يشده بكل وسيلة إلى الماضي، حتى يحوله إلى نسخة من أسلافه.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.