آخر تحديث: 15 / 7 / 2026م - 9:40 م

الدكتورة الشابة شريفة المبارك.. حضورٌ في الحياة وأثرٌ بعد الرحيل

«خالِطُوا الناسَ مُخالطةً، إنْ مِتُّمْ معها بَكَوْا عليكم، وإنْ عِشْتُمْ حَنُّوا إليكم.» [1] 

وفي رواية ”ترحّموا عليكم“ [2] 

هذه الكلمة الموجزة التي رويت عن أمير البيان، أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب ، تختصر فلسفةً كاملة في بناء الإنسان وعلاقته بالمجتمع. فهي لا تدعو إلى مجرد كثرة الاختلاط بالناس، ولا إلى البحث عن الشهرة أو المكانة الاجتماعية، وإنما ترسم منهجًا أخلاقيًا يجعل من الإنسان مصدر خيرٍ ورحمةٍ وأمان لكل من حوله.

فالإنسان في ميزان الإسلام لا يُقاس بما جمع من مال، ولا بما تقلّد من مناصب، ولا بعدد السنوات التي عاشها، وإنما يُقاس بما زرع في القلوب، وبما قدّم من خير، وبما خلّفه من أثرٍ طيب يبقى حيًا بعد غيابه. ولذلك فإن بعض الناس يرحلون فتغيب أجسادهم فقط، أما أرواحهم وآثارهم وكلماتهم وأعمالهم فإنها تبقى حاضرة في حياة الناس، وكأنهم لم يغادروا الدنيا.

ولهذا عبّر الإمام علي عن هذا المعنى بأبلغ تعبير، فجعل نجاح الإنسان الحقيقي أن يعيش بين الناس محبوبًا، فإذا حضر اشتاقوا إليه، وإذا غاب افتقدوه، وإذا رحل بكوا عليه، لا لأن الموت موجع في ذاته، بل لأنهم فقدوا إنسانًا كان يمثل قيمةً في حياتهم.

إن البكاء الذي يقصده الإمام ليس مجرد دموعٍ تُسكب عند الموت، وإنما هو شهادة صامتة على أن الراحل عاش حياةً نافعة، وأن وجوده كان مصدر خير، وأن الناس وجدوا فيه الصدق والإخلاص والرحمة وحسن المعاملة.

الإنسان رسالة قبل أن يكون فردًا:

كل إنسان يترك أثرًا في هذه الحياة، لكن الفرق أن بعض الآثار تزول سريعًا، وبعضها يمتد سنوات طويلة بعد رحيل صاحبها.

فالإنسان قد يترك خلفه بناءً يتهدم، أو مالًا يُقسم، أو منصبًا يشغله غيره، لكن ما يبقى حقًا هو ما غرسه في النفوس من أخلاق، وما نشره من علم، وما قدّمه من رحمة، وما صنعه من مواقف إنسانية لا تُنسى.

حسن الخلق هو الطريق إلى القلوب:

إن السر الذي يجعل الإنسان محبوبًا ليس كثرة كلامه، ولا مكانته الاجتماعية، وإنما حسن خلقه.

فالقلوب لا تُفتح بالقوة، وإنما تُفتح بالتواضع، والرحمة، والابتسامة، والصدق، والإحسان.

ولهذا كان النبي الأعظم ﷺ يقول:

«إن من أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا.» [3] 

فالخلق الحسن ليس فضيلةً اجتماعية فحسب، بل عبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله، وهو الذي يجعل صاحبه حاضرًا في قلوب الناس حتى بعد غيابه.

ولهذا كان أمير المؤمنين يربط بين حسن المعاشرة وبين أثر الإنسان بعد وفاته؛ لأن الأخلاق هي التي تصنع الذكر الجميل، وهي التي تجعل الناس يدعون للإنسان بعد رحيله، ويذكرونه بكل خير.

الإخلاص يمنح العمل حياةً لا تنتهي:

قد يعمل اثنان في المهنة نفسها، لكن يبقى ذكر أحدهما ويُنسى الآخر.

وما الفرق بينهما؟

الفرق هو الإخلاص.

فالعمل حين يكون مجرد وظيفة ينتهي بانتهاء ساعات الدوام، أما حين يكون رسالةً فإنه يتحول إلى عبادة، ويصبح أثره ممتدًا في حياة الناس.

ولهذا فإن الطبيب الذي يرى في مرضاه أمانةً، والمعلم الذي يرى في طلابه رسالةً، والموظف الذي يؤدي عمله بإتقان، كلهم يتركون أثرًا لا تصنعه المناصب ولا الألقاب.

إن الإخلاص هو الذي يمنح الأعمال قيمتها، وهو الذي يجعل الإنسان محبوبًا عند الله وعند الناس.

الدكتورة شريفة عبد الله المبارك… نموذجٌ حي لكلام الإمام:

قبل يومين، فقد الوسط الطبي الدكتورة الفاضلة الشابة شريفة عبد الله المبارك، حيث كان رحيلها مفاجئا دون سابق مرض لديها، وقد تركت برحيلها فراغًا في نفوس زملائها ومحبيها، حيث عُرفت بحسن خلقها، وإخلاصها في أداء رسالتها الطبية والإنسانية.

وعندما نتأمل سيرة زميلتنا الفاضلة استشارية طب الأطفال الدكتورة الشابة شريفة عبد الله المبارك - رحمها الله - نجد أن كلمات الإمام علي تكاد تنطبق عليها بكل تفاصيلها.

فقد عُرفت بين زملائها قبل مرضاها بحسن الخلق، ورحابة الصدر، ولين الجانب، والتواضع الذي يميز أصحاب النفوس الكبيرة.

وكانت تؤدي رسالتها الطبية بإخلاصٍ واضح، فلم تنظر إلى مهنتها على أنها وظيفة تؤديها، بل رسالة إنسانية تحملها، ومسؤولية أمام الله قبل أن تكون مسؤولية أمام الناس.

كانت قريبةً من الجميع، تُحسن الاستماع، وتبادر إلى المساعدة، وتشارك زملاءها بخبرتها، وتمنح مرضاها من وقتها واهتمامها ما يشعرهم بالأمان والثقة.

وكان تعاملها الإنساني جزءًا من علاجها، ولذلك لم يكن احترام الناس لها قائمًا على مكانتها العلمية وحدها، وإنما على شخصيتها التي جمعت بين العلم والرحمة.

ولذلك لم يكن حضورها حضور طبيبة فقط، بل حضور إنسانة صنعت لنفسها مكانةً في القلوب.

لماذا كان رحيلها مؤلمًا؟

إن الألم عند فقد الإنسان يتناسب مع مقدار الأثر الذي تركه.

فليس كل غيابٍ سواء، وليس كل رحيل يترك الفراغ نفسه.

فالإنسان الذي عاش لنفسه فقط قد يُذكر أيامًا ثم يُنسى، أما الذي عاش للناس، وخفف آلامهم، وأدخل السرور إلى قلوبهم، وأخلص في عمله، فإن رحيله يترك فراغًا يصعب ملؤه.

ولهذا كان وقع خبر وفاة الدكتورة شريفة مؤلمًا على كل من عرفها أو تعامل معها.

لقد بكى عليها الناس لأنهم فقدوا إنسانةً أحبوها، لا لأنها رحلت فقط.

وافتقدها زملاؤها لأنها كانت زميلةً صادقةً ومعينةً على الخير.

وافتقدها مرضاها لأنها كانت طبيبةً تحمل قلبًا رحيمًا قبل أن تحمل علمًا واسعًا.

وهذا هو المعنى الذي أراده الإمام علي : أن يعيش الإنسان حياةً تجعل الناس يدعون له إذا رحل، ويذكرونه بالخير إذا غاب.

الأثر الصالح هو الحياة الثانية للإنسان:

يموت الجسد، لكن لا يموت الأثر، وتمضي الأيام، لكن تبقى المواقف، ويغيب الصوت، لكن تبقى الكلمات، وتنتهي سنوات العمر، لكن تبقى الدعوات التي تخرج من قلوب الناس لمن أحسن إليهم.

وهذه هي الحياة الثانية التي يمنحها الله لعباده المخلصين؛ حياة الذكر الحسن، والعمل الباقي، والدعاء المستمر.

نسأل الله سبحانه أن يتغمد فقيدتنا الغالية الدكتورة شريفة عبد الله المبارك بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدمته من علمٍ نافع، ورحمةٍ بعباده، وإخلاصٍ في أداء رسالتها الطبية، في ميزان حسناتها، وأن يرفع درجاتها في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ولا سيما أنها ختمت حياتها بزيارة النبي ﷺ وأهل بيته الأطهار قبيل رحيلها المفاجىء.

كما نسأله عز وجل أن يربط على قلوب أهلها وذويها وزملائها ومحبيها، وأن يرزقهم الصبر والسلوان، وأن يجعل سيرتها الطيبة شاهدًا على أن الإنسان قد يرحل بجسده، لكن أخلاقه وإخلاصه، وآثاره الجميلة، تبقى حيةً في القلوب، مصداقًا لقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب :

«خالِطُوا الناسَ مُخالطةً، إنْ مِتُّمْ معها بَكَوْا عليكم، وإنْ عِشْتُمْ حَنُّوا إليكم.»

[1]  نهج البلاغة، ج 4، خطب الإمام علي ، ص 4، شرح أصول الكافي، ج 1، مولي محمد صالح المازندراني، ص 317

[2]  غرر الأخبار ودرر الآثار في مناقب أبى الأئمة الأطهار ، الحسن بن محمد الديلمي، ص 124

[3]  الأدب النبوي، محمد عبد العزيز الخولي، ص 126، سنن الترمذي «تحقيق شاكر»، ج 4، الترمذي، ص 370
استشاري طب أطفال وحساسية