آخر تحديث: 15 / 7 / 2026م - 9:40 م

الوعي… حين يحوّل مراحل العمر إلى طريقٍ نحو الجنة

محمد يوسف آل مال الله *

قبل عدة أيام وخلال عزاء «فاتحة» صديقي وأخي المرحوم الحاج عقيل علي خواهر، رحمه الله، تحدّث الخطيب سماحة الشيخ فيصل العيد، حفظه الله، عن مراحل الحياة مبتدئًا حديثة بالآية المباركة ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ [الحديد: 20]، وقد بيّن تلك المراحل بشكل مبسّط، بما سمح له الوقت، ما شدّني لأن أكتب هذه المقالة بعد البحث والقراءة.

إذ ليس أخطر ما يواجه الإنسان في حياته أن يمر بمراحل الطفولة والشباب والكهولة والشيخوخة، فهذه سنن الحياة التي لا يخرج عنها أحد، وإنّما الخطر الحقيقي أن يمر بهذه المراحل دون أن يدرك لماذا خُلق، وإلى أين يسير، وما الغاية من كل ما يعيشه. فالسنون وحدها لا تصنع إنسانًا ناضجًا، وإنّما الوعي هو الذي يصنع ذلك.

لقد رسم القرآن الكريم خارطة دقيقة لمسيرة الإنسان في الدنيا، فقال سبحانه وتعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ [الحديد: 20].

اللافت أنّ الآية لم تذم هذه المراحل بحد ذاتها، وإنّما كشفت حقيقتها، حتى لا ينخدع الإنسان بها. فاللعب حاجة للطفل، واللهو قد يكون متنفسًا للشاب، والزينة ميلٌ فطري، والسعي إلى المال وتربية الأبناء ضرورة للحياة، لكنّ الوعي هو الذي يحدد: هل ستكون هذه النعم وسائل تقرّبنا إلى الله، أم ستتحول إلى حُجُب تبعدنا عنه؟

فالطفل الواعي لا يُربّى على اللعب فقط، بل يُربّى على الصدق والأمانة والرحمة. والشاب الواعي لا يجعل اللهو غاية، بل يستثمر طاقته في العلم والعمل وخدمة المجتمع. وصاحب المال الواعي لا يرى ثروته ملكًا شخصيًا، بل أمانة يُسأل عنها بين يدي الله. وكلّما ارتفع منسوب الوعي، تحوّلت تفاصيل الحياة إلى عبادات، وتحوّل العمر كلّه إلى مشروعٍ للآخرة.

ولهذا كان القرآن يربط دائمًا بين الدنيا والآخرة، فلا يدعو إلى ترك الحياة، ولا إلى الذوبان فيها، وإنّما إلى حُسْنِ إدارتها. يقول تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [القصص: 77]. إنّها معادلة قرآنية بديعة؛ اعمل لدنياك، لكن لا تجعلها أكبر همّك، وخذ منها ما يعينك على ما هو أبقى.

ومن هنا يبدأ الوعي الحقيقي؛ أن يتحوّل سؤال الإنسان من: ماذا أريد من الدنيا؟

إلى:

ماذا يريد الله منّي وأنا في هذه الدنيا؟

فعندما تتغير زاوية النظر، تتغير الحياة كلّها. فالوظيفة تصبح رسالة، والمال يصبح وسيلة للإحسان، والعلم يصبح مسؤولية، والمنصب يصبح خدمة، والأسرة تصبح ميدانًا لبناء جيل صالح.

وقد أكدت مدرسة أهل البيت هذا الوعي بأروع صوره. يقول أمير المؤمنين الإمام علي : ”إنّ الدنيا دار ممر، والآخرة دار مقر، فخذوا من ممرّكم لمقرّكم“، فليست المشكلة أن نعبر الدنيا، وإنّما أن نغادرها دون زاد.

ويقول أيضًا: ”اليوم عملٌ ولا حساب، وغدًا حسابٌ ولا عمل“. إنّها دعوة إلى اغتنام العمر قبل أن يتحوّل إلى صفحات مغلقة لا يمكن تعديلها.

وروي عن الإمام جعفر الصادق : ”ليس منا من ترك دنياه لآخرته، ولا آخرته لدنياه“، فالإسلام لا يصنع إنسانًا منقطعًا عن الحياة، بل يصنع إنسانًا يعيش الحياة وهو يحمل همَّ الآخرة، فيوازن بين البناء المادي والارتقاء الروحي.

ولعل واقعة الطف تمثّل أعظم مدرسة عملية لهذا الوعي. فلم يكن الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه زاهدين في الدنيا لأنّها خالية من النعم، بل لأنّهم كانوا يرون أنّ قيمة الدنيا مرتبطة بمدى قربها من الله. لذلك، عندما خُيّروا بين حياةٍ تُكرّس الظلم، وموتٍ يحفظ الكرامة والدين، اختاروا الطريق الذي يقود إلى رضوان الله.

لقد كان بإمكان الإمام الحسين أن يساير الواقع حفاظًا على نفسه وأسرته، لكنّه كان يمتلك وعيًا رساليًا يرى ما وراء اللحظة الآنية، ولذلك أعلن كلمته الخالدة: ”إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برمًا“. لم يكن يبحث عن الموت، وإنّما كان يبحث عن الحياة الحقيقية التي تنتهي برضا الله.

كما كان أصحابه النموذج الأوضح لهذا الوعي. فهذا الشيخ الكبير، وذاك الشاب، وذاك العبد المعتَق، وذاك القائد المعروف… اختلفت أعمارهم ومكاناتهم، لكنّهم اجتمعوا على بصيرة واحدة؛ أنّ الدنيا مهما طالت فهي قصيرة، وأنّ ما عند الله خير وأبقى. لذلك لم يتعاملوا مع أعمارهم بعدد السنين، بل بقيمة المواقف.

اليوم، نحن أحوج ما نكون إلى هذا النوع من الوعي. ففي زمن أصبحت فيه الشهرة غاية عند البعض، والمال معيارًا للنجاح، والمظاهر ميزانًا للقيمة، يحتاج الإنسان إلى أن يسأل نفسه كل صباح:

هل ما أقوم به يقرّبني من الجنة أم يبعدني عنها؟

وهل سأحمل هذا العمل معي عندما أقف بين يدي الله؟

إنّ الوعي ليس أن يعرف الإنسان أخبار الدنيا كلّها، وإنّما أن يعرف حقيقة نفسه، ورسالة عمره، ومصيره الأبدي. فمن وعى هذه الحقيقة، لم يعد أسيرًا للعب ولا غارقًا في اللهو، ولا مخدوعًا بالزينة، ولا متكبرًا بالتفاخر، ولا مشغولًا بالتكاثر، بل جعل من كل مرحلة من مراحل حياته سلّمًا يرتقي به إلى الله.

وهكذا ينتقل الإنسان من مرحلة يعيش فيها لأجل الدنيا، إلى مرحلة يجعل الدنيا تعيش لأجل آخرته، فيصدق فيه وعد الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [النور: 52]. وأعظم من الفوز بالجنة أن ينال العبد ما ختم الله به نعيم أهلها: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة: 72]، فذلك هو الغاية التي من أجلها خُلق الإنسان، وهو الثمرة التي لا يبلغها إلّا مَنْ عاش حياته بوعيٍ وإيمان.