ابتكارية الإماطة
لفت نظري موقفان لصديقين في إحدى ليالي الجمعة، حين تقدّم لهما شخص في أحد المساجد بعطر يضعه على أيديهما، وهو سلوك متعارف عليه كنوع من طلب ثواب «صلاة المتعطّر» [1] ، كانت ردة فعل الصديق الأول رفضًا تامًا لأي نقطة عطر توضع على يده، بينما أبدى الصديق الثاني فرحًا وشكرًا لذلك المبادر، مع أني لاحظته بعد انصراف الرجل يقوم بحركةٍ سريعة بمسح العطر وإزالته.
بعد خروجنا من الصلاة، وأثناء وجودنا في السيارة، سألت الصديق الأول عن سبب رفضه، فأجاب: إن هؤلاء يشترون أرخص أنواع العطور ويقدّمونها للمصلّين بحجة ثواب صلاة المتعطّر، لذلك لا أتقبّل رائحتها بل أتقزّز منها، وحين سألت الصديق الثاني عن سبب إزالته للعطر حين ابتعد الرجل، قال بصراحة: لا يعجبني العطر، لكني أقبله ببشاشة، بل وأتظاهر بالإعجاب؛ أولًا لأني أكره أن أكسر بخاطر أحد ولو كان ذلك على حساب راحتي، وثانيًا لأن قبول هديته إدخالٌ للسرور عليه.
بعد عودتي إلى المنزل، لمع في ذهني حديث النبي الأعظم ﷺ في شعب الإيمان: «الإيمان بضع وستون بابًا، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» [2] ، كان مفهوم «إماطة الأذى» يتجسّد في ذهني بصورة سطحية مباشرة، كإزالة قشرة موز من الطريق أو ما شابه، لكن بعد موقف صديقي أدركت أن مفهوم الإماطة أوسع وأعمق، وأنه في جوهره قابل للابتكار والتجدد [3] .
وقد استفدتُ هذا المعنى بصورة أعمق من كتاب الشيخ حسن الصفّار»الأوقاف وتطوير الاستفادة منها [4] «؛ إذ سجّل التاريخ الوقفي في مجتمعاتنا نماذج لافتة من ابتكار صور الإماطة، فلم تقتصر الأوقاف على المساجد أو الفقراء، بل امتدت لتجسّد ابتكارية الإماطة في شتى تفاصيل الحياة، فهناك أوقاف خُصِّصت لتوفير مراوح للمرضى في المستشفيات، وأوقاف أخرى تُعنى برفع الروح المعنوية للمرضى وتخفيف الانزعاج النفسي عنهم عبر مبادرات صغيرة تُشعرهم بالاهتمام والاحتواء، بل وُجدت أوقاف تُنقذ المكسورين والمحرجين من الغرامات والديون. كانت تلك المبادرات تعبيرًا حيًا عن روح التكافل، وعن سعيٍ عملي لإزالة الأذى عن الناس، ماديًا كان أو نفسيًا، في أرقى صور الإحسان الاجتماعي.
والمتأمل في أحاديث النبي الأعظم ﷺ يستلّ الكثير من المعاني التي تؤكد ابتكارية الإماطة؛ فمثلًا قوله «ولا تُؤذِه بقُتارِ قِدْرِكَ إلا أن تَغْرِفَ له منها» [5] ينهى عن أذية الجار ولو برائحة الطبخ، وعن الإمام الباقر
أنه قال: «تقول ثلاث مرات إذا نظرت إلى المُبتلى من غير أن تُسمِعه الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، ولو شاء فعل»، ثم قال: «من قال ذلك لم يُصِبه ذلك البلاء أبدًا» [6] ، لاحظ عزيزي القارئ أن الصيغة صيغة دعاء، ومع ذلك يطلب الإمام الباقر أن يُقال في سرّه، كنوعٍ راقٍ من إماطة الأذى النفسي عن المبتلى، حتى لا يشعر بأنه موضع شفقة أو استعلاء.
ومن اللافت حقًا أن بعض الميسورين في المجتمع لا يظهر أثر نعمتهم في وسائل التواصل إلا عبر استعراض البيوت الفاخرة، والسيارات الفارهة، أو رحلاتهم السياحية الدولية، فيدخلون الأذى على قلوب من قد لا يملك حتى قيمة فاتورة الكهرباء.
من هنا، تأتي هذه الدعوة لاستشعار مبدأ «ابتكارية الإماطة»، وأن نفهم أن الأذى ليس محصورًا في الأذى المادي المحسوس، بل يتجاوزه إلى الأذى النفسي، الذي هو في كثير من الأحيان أشدّ وقعًا، وأرقى صور الإماطة أن نزيله عن قلوب الناس ما استطعنا.













