للعاشر هيبتُه
هناك أمور لا تتغير قيمتها مهما تكررت وهناك أمور لا ينقصها شيء في ذاتها غير أن كثرة تكرارها تجعل القلب يتعامل معها بطريقة مختلفة.
ولهذا يختلف وقع حدث أو موسم يأتي مرة في العام عن آخر يتكرر كل أسبوع.
الشيء نفسه قد يبقى جميلًا غير أن انتظاره ليس هو الانتظار الأول.
وهذه طبيعة الإنسان وليست تهمة في حقه.
ومن هنا يبدأ سؤال لا يبحث عن حكم فقهي وإنما عن أثر تربوي ونفسي.
فماذا يحدث داخل الإنسان عندما تتحول الذروة إلى حالة متكررة؟
عاشوراء ليست مجموعة مجالس متتابعة وإنما بناء شعوري متكامل تتدرج لياليه من خروج الإمام الحسين
إلى الطريق ثم كربلاء فليلة العاشر فحرق الخيام ثم السبي حتى يبلغ البناء قمته.
وهذه القمة اسمها العاشر.
ومن خصائص القمم أنها لا تأتي مرتين داخل الرحلة نفسها.
ولو أن متسلقًا بلغ قمة الجبل ثم قيل له بعد ساعة هذه هي القمة مرة أخرى ثم بعد يوم هذه هي القمة للمرة الثالثة فلن يبقَ لمعنى القمة ذلك الوهج الأول.
وليس لأن الجبل تغيَّر وإنما لأن الإحساس الإنساني لا يتعامل مع الذروة بهذه الطريقة.
ولهذا لم تجعل الأمم مواسمها الكبرى قابلة للاستنساخ فشهر رمضان لا يحتاج إلى شهر رمضان آخر داخله وليالي القدر لا تعود بعد انقضائها وعيد الفطر لا يتكرر ليزداد بهجة وفرحًا لأن الزمن في العبادات جزء من معناها والتوقيت أحد أسرار أثرها.
ومن هنا اكتسب العاشر مكانته لا لأنه اليوم الذي استشهد فيه الإمام الحسين
فحسب وإنما لأن وجدان الأمة ظل قرونًا يرتقي إليه حتى صار ذروة شعورية لا تُنتظر إلا مرة واحدة في كل عام.
فهل يبقى للعاشر ذلك الارتقاء الوجداني نفسه إذا أصبح يتكرر على الصورة ذاتها؟
وقد يقصد كثيرون من ذلك مزيدًا من الثواب وإحياء ذكر الإمام الحسين
وهي نية كريمة لا يجادل فيها أحد وكذلك العاطفة والدمعة فهما روح المجالس ونبضها وأصل حضورها وهذا مما لا يختلف عليه اثنان وليس هو موضع الحديث هنا وإنما الكلام منصب على الكيفية التي يُقدَّم بها الحدث وأثرها في بقاء حرارة المصاب واتقادها.
غير أن السؤال يبقى قائمًا.
هل يحقق تكرار الذروة الأثر التربوي والشعوري نفسه؟
فالإنسان يألف وما يهز القلب في أول سماعه قد لا يترك الأثر نفسه بعد كثرة الإعادة لا لأن القضية ضعفت ولا لأن الولاء فتر وإنما لأن النفس البشرية خُلقت على هذه السنن.
ولهذا نجد بعض الخطباء بعد العشرة الأولى يكتفون بالإشارة إلى المصرع ثم ينتقلون إلى محطة جديدة من السبي أو إلى موقف من آثار النهضة أو إلى شخصية لم تأخذ حقها من القراءة والطرح.
وهذا لون من المحافظة على حرارة المصاب لا تقليلًا من شأنه وإنما دعوة إلى أن تتجدد وسائل العرض والطرح وأن يزداد المنبر قوة في أداء رسالته الإصلاحية التي خرج من أجلها الإمام الحسين
حين قال: «ما خرجت أشِرًا ولا بطرًا وإنما خرجت للإصلاح في أمة جدي» ليبقى أثر عاشوراء متجددًا كما بقيت رسالتها متجددة عبر القرون.
فمجلس الإمام الحسين
لا يرتبط بموسم وقد عاش الناس يعقدون المجالس طوال العام.
غير أن السؤال متعلق بكيفية تقديم عاشوراء نفسها.
هل تبقى عاشوراء عاشوراء إذا أُعيدت بصورتها الأولى مرات متتابعة في ما بعد العشرة الأولى؟
أم أن لكل مرحلة من مراحل النهضة حقها في القراءة والطرح وإثراء المنبر؟
فلدينا الطريق والسبي والكوفة والشام والمدينة ولدينا أصحاب الحسين ونساؤه وأطفاله وأخلاقه وفقهه ودعاؤه وخطبه وشجاعته ومواقفه وآثار نهضته ثم الامتداد الحضاري الذي صنعته تلك الدماء المباركة حتى يومنا هذا.
وهذه المساحات تكاد لا تنتهي.
فلماذا نحصر المنبر في إعادة الذروة ذاتها مرة بعد أخرى وكأن المشهد يعاد بالصورة نفسها؟
قد يكون الخطيب أقدر الناس على قراءة المصرع غير أن براعته الحقيقية تظهر حين يفتح للناس أبوابًا جديدة من المعرفة والفقه والسيرة فيكتشف المستمع آفاقًا لم يكن يلتفت إليها.
وهنا يكبر المنبر ويكبر معه المستمع وتبقى عاشوراء متقدة كما جاءت أول مرة وتتجدد مع كل عام دون أن تفقد هيبتها.
إن الزمن ليس وعاءً محايدًا في القضايا الكبرى فالزمن جزء من المعنى.
ولهذا بقي العاشر… عاشرًا.
وظلت هيبته أكبر من أن تحتاج إلى نسخة ثانية.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن نصاحبه طويلًا:
هل عاشوراء حدث يُعاد أم ذروة يُبنى عليها؟
فالذرى العظيمة لا تتكرر وإنما تصنع ما بعدها وتطيل أثرها.













